سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٤٩ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
و في الحكمة مكتوب: من أطاع الغضب حرم السلامة، و من عصى الحقّ غمره الذّلّ.
و قال بعض الحكماء: كظم الغيظ حلم، و الحلم صبر و التشفّي ضرب من الجزع.
و قال آخر: أوّل الغضب جنون، و آخره ندم.
و قال بعض الحكماء: إذا غلب على الرّجل أربع خصال فقد عطب:
الرغبة، و الرّهبة، و الشّهوة، و الغضب.
و قيل لبعض الصالحين: إنّ فلانا يقع فيك[١]، فقال: لأغيظنّ من أمره، يغفر الله لي و له، قيل له: و من أمره؟ قال: الشيطان.
و قال رجل لأخيه: إني مررت بفلان و هو يقع فيك، و يذكرك بأشياء رحمتك منها، قال: فهل سمعتني أذكره بشيء؟ قال: لا، قال: فإيّاه فارحم.
و قال الفضيل[٢]: ثلاثة لا يلامون على الغضب: المريض، و الصائم، و المسافر.
و قال الأحنف بن قيس: لقد تعلّمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري[٣].
إني جالس معه في فناء و هو يحدّثنا، إذ جاء جماعة يحملون قتيلا، و معهم رجل مأسور، فقيل له: هذا ابنك قتله أخوك، فو الله ما قطع حديثه و لا حلّ حبوته[٤]، حتى فرغ من منطقه، ثم أنشد:
|
أقول للنّفس تأنيبا و تعزية |
إحدى يديّ أصابتني و لم ترد |
|
|
كلاهما خلف من فقد صاحبه |
هذا أخي حين أدعوه و ذا ولدي |
|
ثم التفت إلى بعض ولده فقال: قم فأطلق عمّك، و وار أخاك، و سق إلى أمّه مائة من الإبل، فإنها غريبة.
[١] - يقع فيك: يشتمك و يغتابك.
[٢] - هو الفضيل بن عياض، العابد الصالح، سبقت ترجمته.
[٣] - قيس بن عاصم المنقري: أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة و الأنفة و تبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام و هو من شعراء الجاهلية و حكمائها و فصحائها، أسلم مع وفد تميم سنة ٩ ه نزل البصرة في آخر أيامه و توفي فيها سنة ٢٠ ه.( الأعلام ٥/ ٢٠٦).
[٤] - ما حل حبوته: أي لم يقم من مكانه حتى فرغ من كلامه.