سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٥١ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
و كان يقال: من لم يغضب فليس بحليم، لأن الحليم إنما يعرف عند الغضب.
و قال الشّعبيّ: الجاهل خصم و الحليم حاكم.
قال الشّافعي: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، و من استرضى فلم يرض فهو جبار، و قد كان النبي صلى اللّه عليه و سلم، يغضب، و لكنه إنما كان يغضب لا لنفسه، بل عند انتهاك حرمة ربّه.
و اعلم: أن الله تعالى ما مدح من لا يغضب، و إنما مدح من كظم الغيظ، فقال: وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: ١٣٤].
و قد أنشد النابغة الجعدي[١] بحضرة النبي صلى اللّه عليه و سلم:
|
و لا خير في حلم إذا لم تكن له |
بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا |
|
|
و لا خير في جهل إذا لم يكن له |
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا[٢] |
|
فلم ينكر النبي صلى اللّه عليه و سلم قوله.
و كان ابن عمر إذا سافر، استتبع سفيها، و يقول: أستدفع به شر السفهاء عني.
و اعلموا- أرشدكم الله- أن أحسن خصال الملوك و أجلّها قدرا:- و هي حلية الأنبياء، و لبسة الأصفياء، و جمال السّوقة و الرؤساء، و أعظمها في النفوس موقعا، و أعمّها على الرعايا نفعا، و أخلدها على مرّ الأيام ذكرا، و أكملها في المحافل و المحاسن نشرا، و هي الفضيلة التي تعمّ سائر الفضائل، و تكمل بها سائر المحاسن- الحلم.
و ها أنا أتلو عليك من ذلك ما يفضي فيه العجب.
و هذه دولة آل العباس: أوّلهم أبو العباس السفاح، و إلى يومنا هذا لم يكن فيهم، أجلّ[٣] من المأمون، بلغ من حلمه أنه كان يقول: (لو علم الناس مالي
[١] - النابغة الجعدي هو قيس بن عبد لله بن ربيعة الجعدي العامري، شاعر مخضرم من المعمرين عاش ١٢٠ سنة و لم يسقط له ضرس و لا سن كان سيد قومه، كان ممن هاجر الأوثان و نهى عن الخمر قبل ظهور الإسلام وفد على النبي صلى اللّه عليه و سلم و اسلم و أدرك صفين و شهدها مع علي رضي الله عنه توفي نحو سنة ٥ ه.( الأعلام ٥/ ٢٠٧).
[٢] - أورد خلاف أصدر: و يقال ورد الماء إذا جاءه و صدر عنه إذا رجع، و يقال: أصدر الأمر: أي أبرزه و أوضحه.
[٣] - في( خ) أحلم من المأمون.