سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٣٩ - فصل فى القصاص بين البهائم
و روى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء»[١].
و قال أبو ذر: انتطحت شاتان عند النبى صلى اللّه عليه و سلم فقال: «أ تدرون فيم انتطحتا؟» قلت: لا أدرى. قال: «لكن الله يدري و سيقضى بينهما»[٢].
قال أبو ذر: لقد تركنا النبى صلى اللّه عليه و سلم و ما يقلّب طائر جناحيه فى السماء إلا ذكّرنا منه علما.
و قال أبو ذر: إن الحجر ليسأل عن نكبه إصبع الرجل.
و فى الحديث الصحيح فى مسلم و البخارى و غيرهما أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا يأتينى أحدكم على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم بسط لها بقاع قرقر، فتطؤه بأظلافها، و تنطحه بقرونها، كلما مرت عليه أولاها عادت أخراها»[٣] و الحديث وارد فى مانع الزكاة.
و قال أبو الحسن[٤]: لا تجوز المقاصّة بين البهائم، لأنها غير مكلّفة و لا يجرى عليها القلم، قال: و ما ورد فى ذلك من الأخبار، نحو قوله، صلى اللّه عليه و سلم: «يقتص للجلحاء من القرناء»، و يسأل العود لم خدش العود»[٥]. فعلى سبيل المثل و الإخبار عن شدّة التّقصّي فى الحساب، و أنّه لا بد أن يقتصّ للمظلوم من الظالم.
و أبى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايينى[٦]، قال فى الجامع الجلى:
[١] - رواه الإمام مسلم فى كتاب البر و الصلة و الآداب، باب تحريم الظلم( ٦٠) و رقم الحديث( ٢٥٨٢) و قال: فى الحديث تصريح بحشر البهائم يوم القيامة و أما القصاص من القرناء و الجلحاء فليس من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها بل قصاص مقابلة، كما رواه البخارى فى الأدب و الترمذى و الإمام أحمد فى مسنده و الحديث صحيح، و الشاة الجلحاء: الجمّاء التى لا قرن لها.
[٢] - الحديث ذكره أهل التفسير في معرض شرح الآية السابقة: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ... ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ، فقد أورده القرطبي( ٦/ ٤٢٢)، و الطبري ٧/ ١٨٩، و ابن كثير ٤/ ٥٣، و رواه الإمام أحمد في مسنده ٥/ ١٦٢، و قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى و أحمد بنحوه و إسناده حسن.
[٣] - هذا جزء من حديث صحيح طويل رواه البخارى فى الزكاة باب إثم مانع الزكاة، و رواه مسلم فى باب إثم مانع الزكاة برقم( ٩٨٧) كما رواه الإمام مالك فى الموطأ و أبو داود و النسائى و غيرهم.
\* معنى الرغاء: صوت البعير، و الخوار: للبقر، و اليعار: صوت الغنم.
\* و بسط لها بقاع قرقر: أى مد على وجهه أو ظهره بأرض مستوية حتى تدوسه تلك البهائم بأرجلها.
[٤] - هو أبو الحسن الأشعرى و قد سبقت ترجمته.
[٥] - لهذه الجمل أصل فى الأحاديث الصحيحة التى سبق تخريجها.
[٦] - أبو إسحاق الأسفرايني: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، عالم بالفقه و أصوله، كان يلقب بركن الدين نشأ فى( أسفرايين) بين( نيسابور و جرجان) من أشهر كتبه« الجامع» الذى أخذ منه الشيخ هذا الحكم الفقهى، مات فى نيسابور و دفن فى بلده سنة ٤١٨ ه( الأعلام ١/ ٦١).