سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٢٤ - الباب السادس و العشرون في بيان معرفة الخصال التي هي جمال العقل
و الواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال سبحانه: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦]، و هذا نص لا يحتمل التأويل، و تحقيق القول في ذلك، أن الانتصار عدل و العفو فضل، و فضل الله أحب إلينا من عدله، لأنه إن عدل علينا فاخذنا بحقه هلكنا، و إن عفا عنا برحمته تخلصنا، و لو كان العدل يسع الخلائق لما قرنه الله تعالى بالإحسان، فلمّا علم أن العدل استقصاء و مناقشة، و ذلك مما تضيق عنده النفوس و تحرج له الصدور، ناط الإحسان بالعدل، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ [النحل: ٩٠]، و أيضا فإن الانتصار انتقام و عذاب بلا امتنان، و العفو محبة من الله و إحسان، و أيضا فإن الانتصار سيئة و العفو حسنة، قال الله تعالى: وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ [فصلت: ٣٤] و الدليل على أن الانتصار سيئة قوله تعالى: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠]، غير أنه إنما سميت سيئة، لمّا كانت نتيجة سيئة، إلا أنه لا يجوز الانتصار، و هو كقول عمرو بن كلثوم التغلبي[١].
|
ألا لا يجهلن أحد علينا |
فنجهل فوق جهل الجاهلينا |
|
فسمّى الجزاء على الجهل جهلا، و إن لم يكن في الحقيقة جهلا.
و عن هذا روت عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله، فلا يقوم لغضبه شيء»[٢].
و روي أنه قال: «ينادي مناد يوم القيامة، من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا»[٣].
فإن عفوت أيها الطالب، كان أجرك على الله، و إن لم تعف كان حقّك قبل من ظلمك. و لأن يكون أجرك في ضمان الله تعالى، أوثق من أن يكون قبل
[١] - عمرو بن كلثوم بن مالك: أبو الأسود، من بني تغلب و أمه ليلى بنت المهلهل أخي كليب و الزير سالم، شاعر جاهلي ولد في بلاد ربيعة شمال الجزيرة، ساد قومه و هو فتى، و هو الذي قتل الملك عمرو بن هند، و هذا البيت من معلقته الشهيرة التي مطلعها( ألا هبي بصحنك فأصبحينا ....) و يقال أن معلقته وصلت إلى نحو ألف بيت، مات نحو سنة ٤٠ قبل الهجرة.( الأعلام ٥/ ٨٤).
[٢] - الحديث صحيح أخرجه الإمام الترمذي في الشمائل و هو عند الإمام مسلم بلفظ آخر مشابه( المغني عن حمل الأسفار في الأسفار رقم ٣١٤٣).
[٣] - ذكره ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ٥/ ٣١٢. و رواه الطبراني في مكارم الأخلاق، و البيهقي في شعب الإيمان، و أبو نعيم في الحلية( تخريج الأحاديث و الآثار ٣/ ٢٤٣).