سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧٨ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
و قال أبو السرايا[١]- و كان أحد القتّال[٢]- لابنه: يا بنيّ: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك، و بحذرك أوثق منك بشجاعتك، فإن الحرب حرب التّهوّر و غنيمة الحذر.
و اعلم: ان الدول إذا زالت، صارت حيلها وبالا عليها، و إذا أذن الله تعالى فى حلول البلاء، كانت الآفة فى الحيلة.
و قالت الحكماء: إذا نزل القضاء كان العطب[٣] فى الحيلة، و إذا انقضت مدة الدول أدبرت سنّة الغفلة عن سنّة الحذر، و يغلب الضعيف بإقبال دولته، كما يغلب القوي بفناء مدته.
و قالوا: سعود الدول و نحوسها، مقرونة بسعود الملك و نحوسه.
و قالوا: أبهى زىّ كل امرئ دولته، فإذا انقضت بدت عورته.
و قالوا: ربّ حيلة أهلكت المحتال.
فمن الحزم المألوف عند سوّاس الحروب: ان تكون حماة الرجال و كماة[٤] الأبطال فى القلب، فإنه مهما انكسر الجناحان فالعيون ناظرة إلى القلب، فإذا كانت راياته تخفق، و طبوله تضرب، كانت حصنا للجناحين، يأوى إليه كل منهزم، و إذا انكسر القلب تمزق الجناحان، مثال ذلك: الطائر إذا انكسر إحدى جناحيه، يرجى عوده و لو بعد حين، و إن كسر الرأس ذهب الجناحان، و لا تحصى كثرة انكسار جناحى العسكر و ثبات القلب، ثم يرجع الفارون إلى القلب، و يكون الظّفر لهم، و قلّ عسكر انكسر قلبه فأفلح أو تراجع، اللهم إلا أن يكون مكيدة من صاحب الجيش، فيخلّ القلب قصدا و تعمّدا، و لا يغادر به كبير أمر، حتى إذا توسطه العدو، اشتغل بنهبه، و أطبقت عليه الجناحان.
[١] - أبو السرايا: هو السري بن منصور الشيبانى خرج بالكوفة داعيا لولد على بن أبى طالب رضى الله عنه فهرب حين فتحت الكوفة، ثم ألقى القبض عليه و أرسل إلى الحسن بن سهل وزير الخليفة المأمون فقتله و صلبه ببغداد بقطعتين، قطعة فى الجانب الشرقى و قطعة فى الجانب الغربى( المحبر- ابن حبيب ص ٤٨٩)، و( النجوم الزاهرة ٢/ ١٦٦).
[٢] - في( خ) الفتّاك. القتّال: أى كثير القتل( صيغة مبالغة).
[٣] - العطب: الهلاك.
[٤] - الكماة: الشجعان أو لابسي السلاح.