سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧٧ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
فإن جميع ما ذكرنا تنفق فيه الأموال و الحيل، و اللقاء تنفق فيه الأرواح و الرءوس، و وجوه الخداع فيه لا تحصى، و الحاضر فيها[١] أبصر من الغائب.
و لله درّ المهلب[٢]، لما كتب إليه الحجاج، يستعجله فى حرب الأزارقة[٣]، رد الجواب فقال: إن من البلاء أن يكون الرأي عند من يملكه، لا عند من يبصره.
و قال المختار[٤] ليزيد بن أنس[٥]- حين ولاه الجزيرة و أمره بقتال عبيد الله بن زياد[٦]- أمض إلى عدوك برأى غير مستبد، و بحزم غير متّكل، و لا تركن إلى الدولة، فربما انقلبت، و استشر من لا يطمع فى عملك و لا تسر بقلبك، و استخر الله تعالى قبل إقدامك توفّق.
و أوصت ام الذيّال العبسية ابنها الفتّاك[٧]- و هو من أشد العرب-: يا بنى لا تنشب فى حرب إن وثقت شدتك حتى تعرف وجه المهرب منها، فإن النفس أقوى شيء إذا وجدت سبيل الحيلة، و أضعف شيء إذا يئست منها، و أحمد الشدة ما كانت الحيلة مدبّرة لها، إذا لم يكن النصر من الله تعالى فابذلها، و اختلس من المحارب خلسة الذئب، و طر منه طيران الغراب، فإن الحذر زمام الشجاعة، و التهوّر عدوّ الشّدّة.
[١] - أي الحرب.
[٢] - هو المهلب بن أبى صفرة الذى أرسله الحجاج لقتال الخوارج ثم قضى عليه و هو فى إمارة خراسان فى عهد عبد الملك بن مروان سنة ٨٣ ه( الأعلام ٧/ ٣١٥).
[٣] - الأزارقة: طائفة من الخوارج نسبة إلى نافع بن الأزرق قضى عليهم المهلب بن أبى صفرة.
[٤] - هو المختار بن ابى عبيد بن مسعود الثقفى من الثائرين على بنى أمية واحد الشجعان الأفذاذ كان مع علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه فى العراق، و لما قتل الحسين بن على سنة ٦١ ه انحرف لقتال عبيد الله بن زياد( قاتل الحسين) فحبسه ابن زياد و نفاه إلى الطائف، و لكن عاد إلى الكوفة فى عهد ابن الزبير ليتتبع قتلة الحسين فقتل ابن زياد، و لكن مصعب بن الزبير( أمير البصرة) أراد اخضاع المختار فقاتله و قتله سنة ٦٧ ه.( الأعلام ٧/ ١٩٢).
[٥] - يزيد بن أنس المالكي الأسدي قائد من أصحاب المختار الثقفى وجهه المختار من الكوفة لدخول الموصل و كان فيها عبيد الله بن زياد فقاتله ابن زياد و مرض و مات فى حروبه تلك سنة ٦٦ ه( انظر: الأعلام ٨/ ١٧٩).
[٦] - عبيد الله بن زياد هو عامل الأمويين فى العراق و هو الذى قتل الحسين بن على فى كربلاء فقتله ابن الأشتر قائد جيش المختار الثقفى سنة ٦٧ ه.( الأعلام ٤/ ١٩٣).
[٧] - أم الذيال العبسية: فى( خ): أم الدبال و ابنها القتّال.