سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧٦ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
قال نصر بن سيار[١]: كنت أمير خراسان، من قبل مروان الجعدى[٢]- آخر ملوك بنى أمية- قال: و كان عظماء الترك يقولون: ينبغى للقائد العظيم القيّاد، أن يكون فيه عشرة أخلاق من أخلاق البهائم: شجاعة الديك، و بحث الدجاجة، و قلب الأسد، و حملة الخنزير[٣]، و روغان الثعلب، و صبر الكلب على الجراح، و حراسة الكركى[٤]، و غارة الذئب، و سمن نغير- و هى دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب و الشقاء[٥].
و كان يقال: أشد خلق الله تعالى عشرة: الجبال، و الحديد ينحت الجبال، و النار تأكل الحديد، و الماء يطفئ النار، و السحاب تحمل الماء، و الريح تصرف السحاب، و الإنسان يقني الريح لحاجته[٦]، و السّكر يصرع الإنسان، و النوم يذهب السّكر، و الهمّ يمنع النوم، فأشدّ خلق ربك الهمّ.
فأول ذلك: أن يبثّ جواسيسه فى عسكر عدوه، يستعلم أخباره مع الساعات، و يستعلم رؤساءهم و قادتهم و ذوى الشجاعة منهم، و يدس إليهم، و يعدهم وعدا جميلا، و يوجّه إليهم بضروب الخدعة، و يقوّي أطماعهم فى أن ينالوا ما عنده من الهبات الفاخرة، و الولايات السنية[٧]، و إن رأى وجها عاجلهم بالهدايا و التحف، و سألهم: إمّا الغدر بصاحبهم و إما اعتزاله وقت اللقاء، و ينشئ على ألسنتهم كتبا مدلّسة إليه، و يبثّها فى عسكره، و يكتب على السهام أخبارا مزورة و يرمى بها فى جيوشهم، و يضرب بينهم بما فى الميسور من ذلك.
[١] - نصر بن يسار: والى خراسان من قبل مروان بن محمد، و قد سبقت ترجمته.
[٢] - مروان بن محمد و يلقب بمروان الحمار لتهوره و جرأته فى الحروب و يلقب بمروان الجعدى نسبة إلى مؤدّبه و مستشاره( الجعد بن درهم) و هو آخر خلفاء بني أمية و قد سبقت ترجمته.
[٣] - حملة الخنزير: هجومه.
[٤] - الكركي: طائر طويل الساق و العنق، ابتر الذنب قليل اللحم، يأوى إلى الماء أحيانا.
[٥] - الصفة العاشرة لم يسجلها المصنف و قد ذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام ١/ ٣٤، و ذكر منها ما لم يذكره المصنف: حمل النملة أكثر من وزنها، تكبر النمر و عدم تواضعه، صبر الحمار.
[٦] - كذا في( ط)، و في( خ):[ يبقي الريح لحاجته]. و في المستطرف:[ و الإنسان يتّقي الريح بجناحيه]، انظر:( المستطرف في كل فن مستظرف- للأبشيهي ١/ ٤٦٤).
[٧] - السنية: العالية.