سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧٥ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
و فسر النبى صلى اللّه عليه و سلم القوة، فمرّ على أناس يرمون، فقال: «ألا إنّ القوة الرمى إلا إنّ القوة الرمى، ألا إنّ القوة الرمى»[١] و كان بعض أصحابه إذا أراد الغزو، لا يقص أظفاره، و يتركها عدة، و يراها قوة.
فأوّل ذلك: أن يقدّم بين يدى اللقاء، عملا صالحا من صدقة و صيام، و ردّ مظلمة، و صلة رحم، و دعاء مخلص، و أمر بمعروف، و تغيير منكر، و أمثال ذلك، فقد كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يأمر بذلك، و يقول: إنما تقاتلون بأعمالكم.
و روى أن بريدا ورد عليه بفتح للمسلمين، فقال له عمر: أيّ وقت لقيتم العدو؟ قال: غدوة. قال: و متى انهزم؟ قال: عند الزوال. فقال: عمر: إنا لله و إنا إليه راجعون، و قام الشرك للإيمان من غدوة إلى الزوال؟! لقد أحدثتم بعدى حدثا، أو أحدثت بعدكم حدثا.
و الشأن كلّ الشأن: فى استجادة القوّاد، و انتخاب الأمراء و أصحاب الولاية، فقد قالت حكماء العجم: (أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد) فلا ينبغى أن يقدّم على الجيش، إلا الرجل ذو البسالة و النجدة، و الشجاعة و الجرأة، ثبت الجنان[٢]، صارم القلب جريئة، رابط الجأش، صادق البأس، ممّن قد توسّط الحروب، و مارس الرجال و مارسوه، و نازل الأقران، و قارع الأبطال، عارفا بمواضع الفرص، خبيرا بمواقع القلب و الميمنة و الميسرة من الحروب، و ما الذى يجب شحنه بالحماة و الأبطال من ذلك، بصيرا بصنوف العدو و مواقع الغرّة منه[٣]، و مواقع الشدة منه، فإنه إذا كان كذلك، و صدر الكل عن رأيه، كان جميعهم كأنّه مثله، فإن رأى لقراع الكتائب[٤]، وجها و إلا (ردّ الغنم للزريبة)[٥].
و اعلم: أنّ الحرب خدعة عند جميع العقلاء، و آخر ما يجب ركوبه قرع الكتائب، و حمل الجيوش بعضها على بعض، فلنبدأ بتصريف الحيلة فى نيل الظّفر.
[١] - الحديث صحيح رواه الإمام مسلم عن عقبة بن عامر فى كتاب الإمارة( باب فضل الرمى و الحث عليه و ذم من علمه ثم نسيه) رقم ١٩١٧ كما رواه أبو داود و ابن ماجة عن عبد الله بن وهب.
[٢] - ثبت الجنان: قوى القلب.
[٣] - غرّة القوم: أى الأشراف من القوم و سادتهم.
[٤] - القراع: أى القتال و النزال.
[٥] - رد الغنم للزريبة: كناية عن وقف القتال.