سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧٩ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
و من أعظم المكايد فى الحرب الكمناء[١]، و لا يحصى كثرة كم من عسكر استبيحت بيضته، و قلّ عزمه بالكمناء، و ذلك: أنّ الفارس لا يزال على حمية فى الدفاع و حمى الذّمار[٢]، حتى يلتفت فيرى وراءه بندا[٣] منشورا، أو يسمع ضرب الطّبول، فحينئذ همّته خلاص نفسه، و لتكن همّتك وراء ذلك، و عليه مدار الحروب فى الصطناع[٤] الشجعان، و اختيار الأبطال، فاصطنع ذوى البسالة و الإقدام و الجرأة، و لا عليك أن لا يكثروا، و بعيد عليك أن يكثروا، و لا تنس بيت الشاعر:
|
و الناس ألف منهم كواحد |
و واحد كالألف إن أمر عنى[٥] |
|
بل قد جرب ذلك فوجد الواحد منهم خيرا من عشرة آلاف، و سأحكى لك من ذلك ما تقضى منه العجب، فهم فى الجيش و إن قلوا، كالأنفحة[٦] فى اللبن.
فمن ذلك: لما التقى المستعين بن هود[٧]، مع الطاغية ابن ردميل النصرانى على مدينة (و شقة)[٨] فى ثغور بلاد الأندلس و كان العسكران كالمتكافئين، كل واحد منهما يراهق[٩] عشرين ألف مقاتل بين خيل و رجل، فحدّثني رجل ممن حضر الواقعة من الأجناد، قال: لما دنا اللقاء، قال الطاغية ابن ردميل لمن يثق بعقله و ممارسته للحروب من رجاله: استعلم من فى
[١] - الكمناء: هم القوم الذين يستخفون فى مكمن ثم ينتهزون غرة القوم فينقضون عليهم.
[٢] - الذمار: كل ما يلزمك حمايته، فيقال فلان حامى الذمار: إذا حمى ما لو لم يحمه عنّف و ليم.
[٣] - اصطناع: اختيار.
[٤] - أمر عنى: وقع.
[٥] - البند: العلم الكبير. و بندا منشورا: علما مرفوعا.
[٦] - الأنفحة: شيء يستخرج من بطن الجدى قبل أن يطعم غير اللبن، فيعصر فى صوفه مبتلة فى اللبن فيغلظ كالجبن.
[٧] - المستعين بن هود سليمان بن محمد بن حمود أبو أيوب من ملوك الطوائف فى الأندلس و مؤسس الدولة الهودية توفى سنة ٤٣٨ ه هو المقصود هنا( المستعين الصغير) و هو احمد بن يوسف بن احمد بن سليمان بن حمود فهو رابع ملوك الدولة الهودية من دول الطوائف فى الأندلس و الذين كانوا يقيمون فى سرقسطة، ولى بعد وفاة أبيه سنة ٤٧٨ ه و كان من الغزاة، و له وقائع مع الأفرنج، و وقعت فى أيامه معركة( و شقة) سنة ٤٨٩ ه أو سنة ١٠٩٦ م و التى قيل أنه قتل فيها نحو عشرة آلاف من جيشه، و استمر فى الإمارة إلى أن قتل بظاهر سرقسطة و هو يدافع عنها سنة ٥٠٣ ه( الأعلام ١/ ٢٧٣).
[٨] - و شقة: مدينة بالأندلس شرقى مدينة سرقسطة، و هى مدينة كبيرة قديمة رائعة البنيان فيها أكثر من ستين مسجدا، حاصرها المسلمون منذ الفتح الإسلامى حصارا طويلا حتى فتحوها سنة ٩٥ ه و ينتسب إليها الكثير من أهل العلم.
[٩] - يراهق: أى يكافئ، يقال: كانوا رهاق مائة أى زهاء و مقدار مائة.