سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨١ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
قال: لا. قال: فتعجب المنصور ثم انعطف عليه فقال: أ فيهم خمسمائة رجل من الأبطال المعدودين؟ قال: لا. فحنق المنصور ثم انعطف عليه، فقال: أ فيهم مائة رجل من الأبطال؟ قال: لا. قال: أ فيهم خمسون من الأبطال؟ قال: لا؟
قال: فسبّه المنصور و استخفّ به، و أمر به، فأخرج على أقبح صفة.
فلما توسطوا بلاد المشركين اجتمعت الروم و تصافّ الجمعان، فبرز علج[١] من الروم بين الصفين، شاك فى سلاحه[٢] يكر و يفر، و هو ينادى:
هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العلج، ففرح المشركون. و صاحوا، و اضطرب لها المسلمون ثم جعل العلج يمر بين الصفين و ينادى: هل من مبارز؟ اثنين لواحد؟ فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة فقتله العلج، و جعل يكر و يحمل و ينادي هل من مبارز؟ ثلاثة لواحد؟ فبرز إليه رجل [من المسلمين][٣] فقتله العلج، فصاح المشركون، و ذلّ المسلمون، و كادت تكون كسرة، فقيل للمنصور: ما لها غير ابن المصحفى، فبعث إليه فحضر، قال له المنصور: أ لا ترى ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم؟ قال: بعينى جميع ما جرى، قال: فما الحيلة فيه؟ قال: ما الذى تريد؟ قال: أن تكفى المسلمين شرّه، قال: نعم الآن.
ثم قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل من أهل الثغور، على فرس قد نشزت أوراكها[٤] هزالا، و هو يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، و الرجل فى نفسه و حليته غير متصنع. فقال له ابن المصحفى: أ لا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم؟ قال: قد رأيته، فما ذا ترى فيه؟ قال: أريد رأسه الآن. قال:
نعم، فحمل القربة إلى رحله، و لبس لامة حربه[٥]، و برز إليه، فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا إليهم يركض، و لا يدرون ما هنالك، و إذا الرجل يحمل رأس العلج، فألقى الرأس بين يدى المنصور، فقال له ابن
[١] - العلج: الرجل الضخم القوى من كفار العجم و بعضهم يطلقه على الكافر عموما.
[٢] - من الشوكة و هى القوة و البأس و الحدة فى السلاح.
[٣] -[ من المسلمين] سقطت في( ط).
[٤] - الورك: ما فوق الفخذ كالكتف فوق العضد و المقصود أن هذه الفرس هزيلة قد بانت عظامها.
[٥] - لامة الحرب: اى الدرع و سميت لامة لإحكامها و جودة حلقها و تعنى هنا عدّة الحرب.