سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٠ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
عسكر المسلمين من الشجعان، الذين نعرفهم كما يعرفوننا، و من غاب منهم و من حضر، فذهب ثم رجع، فقال: فيهم فلان و فلان، حتى عد سبعة رجال، قال: انظر الآن من فى عسكرى من الرجال المعروفين بالشجاعة و من غاب منهم، فعدّوهم فوجدوهم ثمانية رجال لا يزيدون، فقام الطاغية ضاحكا مسرورا، و هو يقول: يا بياضك من يوم، ثم ناشب الحرب[١] بينهم، فلم تزل المصابرة بين الفريقين، لم يولّ أحدهم دبره، و لا تزحزح عن مقامه، حتى فنى أكثر العسكرين، و لم يفرّ واحد منهم، فلما كان وقت العصر، نظروا إلينا ساعة، ثم حملوا علينا حملة واحدة، و داخلونا مداخلة، ففرّقوا بيننا، و صرنا شطرين، و حالوا بيننا و بني أصحابنا، و صاروا بيننا، فكان ذلك سبب وهننا و ضعفنا، و لم نقم الحرب إلا ساعة و نحن فى خسارة معهم، فأشار مقدّمو العسكر على السلطان أن ينجو بنفسه، و انكسر عسكر المسلمين و تفرق جمعهم، و ملك العدو مدينة و شقة.
فليعتبر ذو الحزم و البصيرة، من جمع يحتوى على أربعين ألف مقاتل، و لا يحضره من الشجعان المعدودين إلا خمسة عشر رجلا، و ليعتبر بضمان العلج[٢] بالظفر، و استبشاره بالغنيمة لمّا زاد فى أبطاله رجل واحد.
و سمعت أستاذنا القاضى أبا الوليد الباجى[٣] رحمه الله، يحكي، قال:
بينما المنصور بن أبى عامر[٤] فى بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع، فرأى جيوش المسلمين بين يديه و من خلفه، و عن يمينه و يساره، قد ملئوا السهل و الجبل، فالتفت إلى مقدّم العسكر، و هو رجل يعرف (بابن المصحفى)[٥] فقال: كيف ترى هذا العسكر أيها الوزير؟ قال ابن المصحفى: أرى جمعا كثيرا، و جيشا واسعا، فقال له المنصور: لا يعجزنا أن يكون فى هذا الجيش، ألف مقاتل من اهل الشجاعة و البسالة؟ فسكت ابن المصحفى. فقال المنصور: و ما سكوتك؟ أ ليس فى هذه الجيوش ألف مقاتل؟
[١] - يقال نشبت الحرب أو ناشبه الحرب أي نابذه.
[٢] - العلج: الرجل الضخم القوى من كفار العجم و المقصود( ابن ردميل النصرانى)
[٣] - أبو الوليد الباجى القاضى سليمان بن خلف معلم الطرطوشي و صديقه، سبقت ترجمته.
[٤] - المنصور بن أبى عامر أمير الأندلس، سبقت ترجمته.
[٥] - هو جعفر بن عثمان أبو الحسن الحاجب الكاتب الوزير- سبقت ترجمته.