سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢١٤ - الباب الرابع و العشرون في الوزراء و صفاتهم، و الجلساء و آدابهم
و في الأمثال: إذا سكنت الدهماء[١]، خاف الوزراء
و لما كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزراء، و أزمّة[٢] الملوك في أكفّ الوزراء، سيق فيهم من العقلاء المثل السائر فقالوا: (لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير، و إذا أحبّك الوزير فلا تخش الأمير).
و يقال: (الخرق: مماراة الأمراء[٣] و معاداة الوزراء، و رب أمر كرهه الأمير فتم بالوزير، و كم من أمر أراده الأمير فثناه عنه الوزير، و إنما السلطان كالدار و الوزير بابها، فمن أتى الدار من بابها ولج، و من أتاها من غير بابها أزعج).
و قال أنوشروان[٤]: لا يتم للملك أمره حتى يرفع نفسه عن كل عيب، و يكون له جليس مأمون الغيب، و خادم ناصح الجيب.
و موقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من النظر، فكما أنّ من لم ينظر إلى المرآة، لا يرى محاسن وجهه و عيوبه، كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا يعرف محاسن دولته و عيوبها.
و كاتب الملك مستقرّ أسراره، و لسانه الناطق عنه في آفاق مملكته، و المخصوص بقربه و لزومه دون نظرائه.
ظهير الأمير وزيره، و زينته حاجبه، و لسانه كاتبه، و رسوله عينه.
للكاتب على الملك ثلاثة أشياء: يرفع الحجاب عنه، و يتّهم الوشاة عليه، و يفشي سره إليه.
و قد قالت الحكماء: لا يطمعن ذو الكبر في الثناء، و لا الخبّ[٥] في كثرة الصديق، و لا السّيئ الأدب في الشرف، و لا الشحيح في البرّ، و لا الحريص في قلة الذنوب، و لا الملك المتهاون الضعيف الوزراء في بقاء الملك.
و كما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها، و جودة صقلها،
[١] - الدهماء/ عامة الناس.
[٢] - الأزمة: جمع زمام و هو المقود.
[٣] - الخرق: الحمق و الجهل، و الرجل الأخرق: الأحمق الجاهل سيّئ التصرف أو ضعيف الرأي.
مماراة الأمراء: أي مجادلتهم.
[٤] - كسرى أنوشروان: من ملوك الفرس الساسانيين و الذي اشتهر بعدله و صلاحه.
[٥] - الخب: الخدّاع.