سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢١٢ - الباب الرابع و العشرون في الوزراء و صفاتهم، و الجلساء و آدابهم
فتكون أعوانهم غير ذي جدوى و غناء، و يحذر الملك أن يولي الوزارة غير المتحرّين، كي لا تضيع الأمور، كما يحذر أن يتطبّب بغير طبيب بصير مأمون.
و قال شريح بن عبيد[١]: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا و معه رجل حكيم، إذا رآه غضبان كتب له ثلاث صحائف، في كل صحيفة (ارحم المسكين، و اخش الموت، و اذكر الآخرة)، فكلما غضب الملك ناوله صحيفة حتى يسكن غضبه.
و قال أردشير: يحق على الملك أن يكون ألطف ما يكون نظرا أعظم ما يكون خطرا، و لا يذهب حسن أثره في الرعية خوفه لها، و لا يستغني بتدبير اليوم عن تدبير عد، و أن يكون حذره للمتلاقين أكثر من حذره للمتباعدين، و أن يتّقي بطانة السوء أشد من اتقائه العامّة، و لا يطمعنّ في إصلاح العامة إلا بالخاصة.
و قال أردشير: لكلّ ملك بطانة، حتى يجمع بذلك جميع المملكة، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب، أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك، حتى يجتمع على الصلاح عامّة الرّعية.
و مثال الملك الخيّر و الوزير السوء، الذي يمنع الناس خيره، و لا يمكنهم من الدّنوّ منه، كالماء الصافي فيه التمساح، فلا يستطيع المرء دخوله و إن كان سابحا، و كان إلى الماء محتاجا.
و مثل السلطان مثل الطبيب، و مثل الرعية كمثل المرضى، و مثل الوزير كمثل السفير بين المرضى و الأطباء، فإن كذب السفير بطل التدبير، و كما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحدا من المرضى، وصف للطبيب نقيض دائه، فإذا سقاه الطبيب على صفة السفير هلك العليل، كذلك الوزير ينقل إلى الملك ما ليس في الرجل، فيقتله الملك.
فمن هاهنا شرطنا: أن يكون الوزير صدوقا في لسانه، عدلا في دينه، مأمونا في أخلاقه، بصيرا بأمور الرّعية، و تكون بطانة الوزير، من أهل الأمانة و البصيرة، و يحذر الملك أن يولّي الوزارة لئيما، فاللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه،
[١] - شريح بن عبيد بن شريح الحضرمي الحمصي، من رواة الحديث الثقاة، من الطبقة الثالثة، مات بعد المائة الهجرية،( تقريب التهذيب ١/ ٤١٦).