سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢١١ - الباب الرابع و العشرون في الوزراء و صفاتهم، و الجلساء و آدابهم
و على هذا النمط، كان وزير الحجاج، يزيد بن أبي مسلم[١]، لا يألوه خبالا[٢]، و لبئس القرناء، شرّ قرين لشرّ خدين[٣].
و أشرف منازل الآدميين النبوة، ثم الخلافة، ثم الوزارة.
الوزير عون على الأمور و شريك في التدبير، و ظهير على السياسة، و مفزع عند النازلة[٤].
الوزير مع الملك بمنزلة: سمعه، و بصره، و لسانه، و قلبه.
و في الأمثال: «نعم الظهير الوزير».
و اعلم: أن أول ما يستفيد الملك من الوزراء أمران: علم ما كان يجهله، و يقوى عنده علم ما كان يعلمه، فيزول شكّه.
و أول ما يظهر نبل السلطان، و قوة تمييزه، و جودة عقله، في: استنخاب الوزراء و استنقاد الجلساء[٥] و محادثة العقلاء، فهذه ثلاث خلال تدل على كماله، و بها يجمل في الخلق ذكره و يجلّ في العقول قدره، و ترسخ في النفوس عظمته، و المرء موسوم بقرينه. و كان يقال: حلية الملوك و زينتهم:
وزرائهم.
و في كتاب كليلة و دمنة[٦]: لا يصلح السلطان إلا بالوزراء، و لا الأعوان إلا بالمودة و النصيحة، و لا المودة و النصيحة إلا بالرأي و العفاف. و أعظم الأشياء ضررا على الناس عامة و على الولاة خاصة، أن يحرموا صالح الوزراء و الأعوان،
[١] - يزيد بن أبي مسلم: يزيد بن دينار الثقفي أبو مسلم كنية أبيه وال من الدهاة جعله الحجاج كاتبا له، و لما احتضر الحجاج استخلفه على الخراج بالعراق، و أمّره الوليد بن عبد الملك بعد موت الحجاج سنة ٩٥ ه ثم عزله سليمان و لكن بعد أن حادثه أعجبه عقله و منطقه و استبقاه عنده ثم ولي إمارة في أفريقيا و قتله أهلها هناك سنة ١٠٢ ه.( الأعلام ٨/ ١٨٢).
[٢] - يألوه خبالا: أي لا يقصّر في إفساد دينه. و الجدير بالذكر أن هذا اللفظ مقتبس من الآية الكريمة رقم ١١٨ من سورة آل عمران، حيث قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا.
[٣] - الخدين: الصاحب أو الصديق.
[٤] - مفزع عند النازلة: يكشف و يزيل السوء عند حلول المصيبة.
[٥] - استنخاب الوزراء: اختيارهم. و استنقاد الجلساء: اختبارهم.
[٦] - كليلة و دمنة: كتاب في تهذيب النفس و إصلاح الأخلاق و الإرشاد إلى حسن السياسة وضعه الفيلسوف الهندي( بيديا) و ترجمه عبد الله بن المقفع من البهلوية إلى العربية، يتكلم فيه على ألسنة الطيور و الحيوانات.