سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢١٥ - الباب الرابع و العشرون في الوزراء و صفاتهم، و الجلساء و آدابهم
و نقائها من الصدأ، كذلك الأمير لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير، و صحة فهمه، و صفاء نفسه، و نقاء قلبه.
و من شروط الوزير: أن يكون مكين الرحمة للخلق، رءوفا بهم، ليأسو برحمته ما يجرحه السّلطان بغلظته.
و من شروطه: أن يكون نقي الجيب، ناصح الغيب، لا يقبل دقيقة[١]، و لا يكتم نصيحة.
و قال بعض الملوك لوزيره: لا تكوننّ إلى ما تسرني به أسرع مبادرة من إنذاري فيما يخاف عليّ منه.
و قال بعض الملوك: أعط من أتاك بما تكره، كما تعطي من أتاك بما تحب، فإن من أنذر كمن بشّر.
و من شروطه: أن يكون معتدلا كليل تهامة، لا حرّ و لا قر[٢].
و موقع الوزير من الملك موقع الملك من العامة، و كما أن السلطان إذا صلح صلحت الرعية، و إذا فسد فسدوا، كذلك الوزراء، إذا فسدوا فسد الملك، و إذا صلحوا صلح الملك.
و كان يقال: آفة العقل الهوى، و آفة الأمير سخافة الوزير.
و قال المقتدر بالله[٣] لوزيره: علي بن عيسى[٤]: اتّق الله يعطّفني عليك، و لا تعصه فيسلّطني عليك.
[١] - الدقيقة: تأتي بمعنى الأمر الغامض.
[٢] - القر: البرد.
[٣] - المقتدر بالله: الخليفة العباسي الثامن عشر( جعفر بن المعتضد) في عهده ظهر الفاطميون في أفريقية سنة ٢٩٦ ه، و الأمويون في قرطبة سنة ٣١٥ ه، و أغار القرامطة على العراق و احتلوا مكة، و نقلوا الحجر الأسود إلى الأحساء حوالي سنة ٣١٦ ه. و مات سنة ٣٢٠ ه.( الأعلام ٢/ ١٢١).
[٤] - على بن عيسى: ابن الجراح، أبو الحسن البغدادي وزير المقتدر بالله العباسي و القاهر، و أحد العلماء الرؤساء من أهل بغداد، أصله فارسي، نشأ كاتبا كأبيه، و ولي مكة، ثم استقدمه المقتدر بالله إلى بغداد و ولاه الوزارة، فأصلح الأحوال و أحسن الإدارة و حمدت سيرته، و كانت حياته مليئة بالاضطرابات، حيث نقم عليه المقتدر بالله أكثر من مرة، و له مؤلفات عدّة توفي ببغداد سنة ٣٣٤ ه.( الأعلام ٤/ ٣١٧).