الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٣٣ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
أولى أن يغلب على قلبك، لأن البلاء إليك يصل إن لم يرض اللّه عز و جل عنك، و لعلك أعلم منه، فالحجة عليك أعظم، و على أى حال عندك من الذنوب فى الدين- من الكبر و العجب و الرياء و الحسد فى الدين- ما ليس عنده.
و قد روى عن وهب بن منبه[١] ما يبين هذا، أنه قال: ما تمّ عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال، فعدّ تسع خصال حتى بلغ العاشرة، فقال:
و العاشرة، و ما العاشرة؟! هى التى ساد بها مجده، و علا بها ذكره، إنه يرى الناس كلّهم خيرا منه، و أنه شرّهم حالا.
فقال: يرى، و لم يقطع، ثم فسرّ ذلك فقال: و إنما الناس عنده فرقتان أو رجلان، ففرقة هى أفضل منه و أرفع، و فرقة هى شرّ منه و أدنى، فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه، إن رأى من هو خير منه شكره و تمنى أن يلحق به، و إن رأى من هو شرّ منه قال: لعل هذا ينجو و أهلك أنا.
أفلا تراه خائفا من العاقبة؟
ثم قال: و لعلّ برّ هذا باطن، فذلك خير له.
لا يدرى لعل عنده خلقا كريما فيما بينه و بين ربه جل و علا، يشكره له، فيرحمه به، فيتوب عليه، و يختم له بأحسن الأعمال.
ثم قال: و برّى أنا ظاهر فذلك شر لى.
[١] - هو وهب بن منبّه بن كامل، أبو عبد اللّه اليمانى الأبناوى، تابعى ثقة، جليل، و كان عابدا زاهدا، و له فى الحكمة و العقل قدم راسخة، و لبث عشرين عاما لم يجعل بين العشاء و الصبح وضوءا. و قد أخرج له الخمسة و ابن ماجة فى التفسير و ترجم له أبو نعيم فى حلية الأولياء، و توفى سنة مائة و بضع عشرة للهجرة.