الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٠٣ - باب حض العاصي على الإخلاص في عمله
تطوع أخذ بطرفيه و ألقى في النار»[١].
فيأتي المخلط يوم القيامة و فرضه ناقص و عليه ذنوب كثيرة؛ فإن حبط تطوعه كلّه أو بعضه عطب؛ لأنه يعمل في إكمال الفرض و تكفير السيئات، و المتقي يعمل في علو الدرجات فإن حبط تطوعه بقى من حسناته ما يرجح على السيئات فيدخل الجنة، و العدو يريد ألا تبقى له حسنة، و المخلط يوازن بها، و القوى الورع لما صلحت أحواله و علم أن الخلق يحمدون من ظهرت منه تلك الأحوال، و وجد العدوّ موضعا للدعاء لمّا عطل عليه مكائده و غلبه، إلى أن يدع لذاته لربّه عزّ و جل أراد أن يدعوه إلى اعتقاد الرياء، ليحبط ما كان يدعوه إلى تركه فلم يطعه، فيدعوه إلى التصنّع بالدين، و يعظم قدر المنزلة عنده، حتى يكون عنده أغلب على طبعه من قدر الذهب و الفضة، لأن العبد قد يترك الذهب و الفضة، و يردّهما إذا وصل بهما، ليقال: قد ترك و زهد، لأن النفس من قبل هواها و العدو يدعوان العبد إلى المعاصي.
أما النفس فلإصابة لذّتها، و أما العدو فللحسد و العداوة؛ إرادة هلكة العبد، فإذا أبى عليهما دعواه إلى ترك التنفّل، و قالا: يكفيك الورع، فإن عصاهما و تنفل دعواه إلى الرياء به؛ و كذلك يدعوانه- و إن لم يتنفل- إلى الرياء بورعه؛ أما النفس فتطلب القدر عند الخلق و التعظيم منهم له، و العدو للحسد و العداوة له، فإن أبى أرياه أن ذلك رياء منه، و أنه لا ينجو من الرياء إذا خطر على قلبه
[١] - هذه الرواية عن تميم أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف ١١/ ٤١، ٤٢( ١٠٤٧١).