الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥١٥ - باب التكبر بالعلم و العمل خاصة
باب التكبر بالعلم و العمل خاصة
قلت: قد تبيّنت بما وصفت من ذلك أنه ناف للكبر بالحسب و الجمال و الجسم و المال و الكثرة و العمل و العلم، إلا أنى أجد للعمل و العلم فتنا تعترض فيهما مع ذكر صغر القدر، فقد تغلب على العالم و العامل حتى يتكبّر، فما الذى يدفع به تلك العوارض التى تبعثه على الكبر؟.
قال: إن العلم و العمل لكذلك، و من ذلك ما يجده العباد من أنفسهم، لأن فتنهما أعظم الفتن، لأن قدرهما عند اللّه عزّ و جلّ و عند العباد أعظم من قدر الحسب و المال و الجمال، بل لا قدر للحسب و لا للجسم و لا للجمال و لا للمال عند اللّه عز و جل إلا أن يكون مع ذلك عمل و علم، و كذلك العباد العامل و العالم فى صدورهم أكبر قدرا من كل حسب و من كل مال و جمال، فعظمت فتنهما إذ عظم قدرهما عند اللّه عز و جل و عند العباد.
ألا ترى إلى قول حذيفة رضى اللّه عنه: «اتقوا فتنة العالم الفاجر و العابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون»[١].
فبعظم قدر العلم و العمل عند العباد افتتن الجاهل، حتى لقد اتبع العالم فى زلته و العابد فى خطئه.
[١] - روى ابن عبد البر فى جامع بيان العلم ص ٢٧٢ عن ابن المبارك قال: كان يقال ... فذكره. قال ابن عبد البر:« و من حديث ابن وهب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال:« هلاك أمتى عالم فاجر، و عابد جاهل، و شر الشر أشرار العلماء، و خير الخير خيار العلماء».