الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦٩ - باب الغرة بالفقه
فمن أراد اللّه عز و جل به خيرا وفقه للفقه عنه، و الفقه فيما أحل و حرّم، فخافه و رجاه فجانب ما علم من الحرام، و قام بما علم من واجب الحق للّه عز و جل عليه.
و من ضيّع حق اللّه تعالى و ركب ما نهى عنه بعد معرفة به، فلم يوفق للخير، و لكن ابتلى بما عظمت عليه فيه الحجّة، و اشتد عليه به البلاء، و صار به من فجّار العلماء بالحكم و الفتيا مع التعرض لغضب اللّه عز و جل.
و قد يطلب بما يفقه الدنيا لا الآخرة، فإذا عرف ذلك لم يعد نفسه فقيها بغير خشية للّه عز و جل، كما روى عن الشعبى أنه قيل له: أفتنا أيها العالم.
يدلك هذا أنهم يعلمون أنه عالم بالفتيا، فأجابهم: إن العالم من فقه عن اللّه عز و جل ما توعده به فخافه. و قال: إنما العالم من خشى اللّه[١].
و قيل للحسن البصرى: إن فقهاءنا لا يقولون ذلك- فى شىء استفتى فيه- فقال لسائله: و هل رأيت فقيها قط؟ الفقيه القائم ليله، و الصائم نهاره، الزاهد فى الدنيا[٢].
يخبرك أن الفقيه من فقه عن اللّه عز و جل، فأزعجه ذلك إلى كل ما أحب ربه عز و جل، حتى زهد فى الدنيا، فجانبها بما فقه عن اللّه عز و جل فى فنائها، و شدة الحساب عليها، و نقصان من ركن إليها من أوليائه من الثواب، و عذاب من ركن إلى حرامها من أعدائه، وفقه عنه ما أخبر به من دوام نعيمه و جزيل ثوابه، فأسهر ليله، و صام نهاره، و رفض الدنيا، ليناله.
[١] - أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٤/ ٣١١.
[٢] - الذى قال له ذلك عمران المنقرى، كما أخرجه الدارمى فى المقدمة ١/ ١٠١( ٢٩٤)، و أبو نعيم فى الحلية ٢/ ١٤٧. و أخرجه ابن المبارك فى زوائد الزهد ص ٨( ٣٠).