الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٥٢ - باب ما يخاف على المريد في النوافل من غير تضييع الواجب
الأطعمة، يريد بذلك البرّ و الأجر، و صلة الإخوان الفقراء، و وضعه ما ينفق على الأغنياء فيهم أولى و أفضل، و كجنازة الغني و الفقير، فيؤثر الذهاب مع جنازة الغني لأياد تقدمت، يريد أن يكافئ على أيادي الدنيا بالطاعة، و يرى أن ذلك أفضل، أو مداراة له أو مخافة لسانه، و يرى أن ذلك أولى به؛ و اللّه أحقّ أن يؤثر، فليأت الفقير إن كان أقرب جوارا، و كان أفضل في الدّين، أو ليس معها[١] من يقوم بها، و ربّما آثر الذهاب مع جنازة الغني بعد علمه أن الفقير أفضل لأثرة هواه، فقد ضيّع ما هو أولى به على تعهد منه.
و قد يعرض له مجلسان لمحدّثين أحدهما يحدّث من الحديث بما هو أنفع في دينه و إتيانه أسلم من الخوض في الباطل، فيأتي الذي هو أقلّ منفعة و أقل سلامة له، و أولى به طلب المنفعة و السلامة.
و كذلك طلب الحديث الذي قد سمعه مرّة أو مرارا، يريد بذلك ليعرف الإسناد من وجوه عدة، و يعرض له جنازة، أو عيادة مريض، أو ذهاب في حاجة مع أخ مكروب أو مضطر أو ضعيف غريب؛ فيذهب إلى الحديث، و ذهابه إلى ذلك الحديث فضل، و أولى به إتيان الجنازة أو عيادة المريض، أو زيارة أخ يستفيد منه ما يزداد به خيرا، أو إغاثة الملهوف لأنه إنما يطلب العلم لمثل هذه الخصال، فإذا تركها ففي ماذا يستعمل العلم؟ و ليس يذهب إلى حديث هو به جاهل، و قد سمعه مرّة أو مرارا، إلا أن يكون فيه زيادة علم يستفيده فهو يخاف فوته، فإن كان يستفيد بذهابه علما ينهاه عن ردى، أو يدله على هدى، فليذهب حينئذ، فإن الذهاب إلى العلم أفضل.
[١] - يعني جنازة الفقير.