الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١١٥ - باب معرفة التثبت و عند ماذا يتثبت
باب معرفة التثبت و عند ماذا يتثبت
قلت: يتثبت عند ماذا؟
قال: يتثبت عند دعاء النفس و العدو، لينظر ماذا يدعوان إليه، أهو مما كره اللّه جلّ و عزّ، أم مما أحبّه؟ لئلا يخفي عليه واحدة من هذه الخلال الستّ إذا اعترضت له في بلاء النفس بالمنازعة إليها، فإن عرض له ذنب مما كان عزم على تركه للّه عزّ و جلّ، خوّف نفسه أن يرجع فيما كان تركه للّه عزّ و جلّ؛ فيسميه اللّه عزّ و جلّ غادرا مخلفا؛ و يحضها على ترك الذنب الذي عرض له؛ ليسميه اللّه جلّ و عزّ بالوفاء بالعهد و التمام على العزم، فيحقّ له حكم الصادقين الموفين بعهودهم، الماضين على عزومهم.
فإن استصعبت نفسه عند ذلك أهاج ذكر الخوف في عاقبة المعاد؛ أن يوافيه و هو مخلف كذاب، غير تائب لم يف بعزمه، و عاد إلى ما يسخط ربّه، فيخوّف نفسه الحكم عليه بذلك بين يدي اللّه جلّ و عزّ، و النظر إليه بالمقت في مقامه ذلك، فلم يلبث أن تغلب مرارة ذكر العقاب، و خوف المقت في العاجل، حلاوة دواعي النفس إلى راحتها و شهوتها، و قد يفعل ذلك العبد في خوف سوء عاقبة أمر الدنيا.
يعرض له أحب الطعام إليه، فإذا ذكر فيه ضررا من حرارة أو برودة أو غير ذلك امتنع منه، فإن جاشت ودعته نفسه إلى أكله، ذكّرها سوء عاقبته و هيجان الوجع بعد ما تمضي لذته و حلاوته، فيطفئ ذكر مرارة سوء عاقبة