الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٢٩ - باب ما يجب من التواضع للمطيعين و العاصين لينفي به العجب و الكبر
أطاعوا اللّه عز و جل بذلك، لأن الكبر على المطيع شر مقرر بعينه، لا يلتبس إلا على الغافلين، و الكبر على العاصين يمازجه و يشوبه الغضب للّه و المجانبة له، و الاعتراف بالنعم التى فضل بها عليهم، و التبس و اشتبه لهذه الشائبة، حتى خدع بها كثير من المتعبدين، و ظنوا أنهم بذلك مصيبون، للّه عز و جل مطيعون.
و سأبين لك ذلك حتى تميز بينهما، فتغضب و تمقت و تجانب للّه، و تعرف ما فضّلت به من النعم، و تزايل العجب و الكبر بالعلم، و ما يمكن فى النظر لمن عقل عن اللّه عز و جل أمره.
فإن ميّزت بينهما نجوت من الكبر و العجب و مقت اللّه عز و جل، بالغضب له و عرفان نعمه، و إذا لم تميز بينهما خدعتك نفسك و عدوك بالطاعة، فألقتك فى المعصية لما شابها من الطاعة.
شرح المسألة المتقدمة: اعلم أن الناس عندك فرقتان: فرقة مستورة لا تعرف منها سوءا و لا جرما، فتلك الفرقة أفضل منك عندك، إذ لم تتبيّن منها مكروها.
و الفرقة الثانية مختلفون فى ذلك، فمنهم من هو عندك مهتوك[١] فى ذنب أو ذنبين أو أكثر من ذلك. إلا أنه أقل مما تبيّن لك من نفسك من الذنوب فى طول عمرك، فهؤلاء أفضل منك عندك، إذ كنت تعرف من نفسك أكثر مما تعرف منهم.
و فرقة قد ظهر لك منها من الذنوب أكبر و أعظم مما قد ظهر لك من نفسك.
فأما الكثرة فلا تقدر أن تحصيها من غيرك كما تحصيها من نفسك، لأنك خال بنفسك فى كل حال فى عمرك كله، و لا تقدر أن تصحب غيرك فى
[١] - مهتوك: مفضوح غير مستور، و الاسم منه: الهتكة. بضم الهاء.