الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦٨ - باب الغرة بالفقه
عقابه؛ هاب اللّه عز و جل، و أجلّه و استحياه، و عبده كأنه يعاينه، لما فقه عنه من عظمته و جلاله و عظم ربوبيته، و لما فقه عن اللّه عز و جل فى وعده و وعيده، حتى كأنه يشاهد الجنة و النار بقلبه، اشتد خوفه من اللّه عز و جل و رهبته به، لما عاين بقلبه من أليم عذابه، و اشتد شوقه إلى جواره و القرب منه، لما استقر فى قلبه من عظيم ثوابه و كريم النعيم فى جواره.
فحينئذ يهاب اللّه عز و جل و يخافه، فيترك كل ما فقه فيه من حرامه، و يرجو اللّه عز و جل، و يشتاق إلى جواره، فيتحمل كل مكروه فى القيام بحقه الذى ينال به ما وعد من جزيل ثوابه. فهو تارك لما كره اللّه عز و جل، عامل بما أحب اللّه عز و جل، لما وقر فى قلبه من الفقه عن اللّه عز و جل، لأنه مزعج له عن كل ما كره مولاه، باعث له على القيام بحقه، فإذا فقه فى ذلك عرف أنه معطّل من الفقه، و أنه إنما فقه فيما وجب عليه به الحجة، و أنه ليس من الفقهاء عن اللّه عز و جل لقوله سبحانه: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ[١].
و أن الفقيه الخائف للّه عز و جل كما قال تعالى: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ[٢].
و قال النبى صلّى اللّه عليه و سلم: «من يرد اللّه به خيرا يفقهه فى الدين[٣].
[١] - فاطر: ٢٨.
[٢] - الأنعام: ٩٨.
[٣] - الحديث عن معاوية بن أبى سفيان: أخرجه البخارى فى العلم ١/ ١٦٤( ٧١)، و فى الخمس ٦/ ٢١٧( ٣١١٦)، و فى الاعتصام ١٣/ ٢٩٣( ٧٣١٢)، و مسلم فى الإمارة ٣/ ١٥٢٤( ١٠٣٧/ ١٧٥).