الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٠٣ - باب الغرة بطول ستر الله تعالى و إمهاله للعبد
و إنما أثنى الناس عليه لستر اللّه عزّ و جل عليه، و لو علموا منه ما علم اللّه عزّ و جل منه ما أثنوا عليه، فثناؤهم عليه طاعة منهم لربهم عز و جل، بحسن ظنهم به، فهو لا يغره ظنهم على غير يقين منهم بما عنده، حتى ينسيه ما يعلمه يقينا أن اللّه عز و جل يعلمه منه، فلا ينسى اليقين من نفسه لظن الناس به خلاف ما هو عليه، و ذلك عبادة منهم لربّهم عز و جل، و حسن ظن منهم به، فكيف يخيّل إليه و يرى أنه كما يقولون، و هو عالم من نفسه خلاف ما يظنّون؟ كما قال على ٧ إذ أثنى الناس عليه، أو كما قال غيره:
«اللهم أنت تعلم و هم لا يعلمون، فلا تؤاخذنى بما يقولون».
و مر مطرف و ابن عون برجل، فقال الرجل: من أحب أن ينظر إلى رجلين من أهل الجنّة فلينظر إلى هذين. فقالا: اللهم أنت تعرفنا و لا يعرفنا[١]. أى أنه يتكلم بالظن على غير علم، و أنت عالم.
و كان أبو البخترى الطائى و أصحابه إذا أثنى على أحدهم، وضع شقّه نحو الأرض و قال: تواضعت لربّى إنى أذل أن أكون كما يقولون[٢]. تواضعا للّه عز و جل أن يرى أن له قدرا بما سمع من ثنائهم عليه، فلا ينسيه ظنّهم يقينه بنفسه، و مع ذلك لا يأمن أن يكون ثناؤهم عليه استدراجا من اللّه عز و جل ليغتر بالثناء و يستأنس إلى الستر و الإمهال ثم يأخذه بغتة بعقوبة، أو يهتك ستره
[١] - الأثر عن ثابت البنانى، أخرجه بنحو من هذا: ابن المبارك فى الزهد ص ٥٣١( ١٥١٠).
و أخرج ابن المبارك أيضا( فى زيادات الزهد ص ٦١ رقم ٢١٣) عن ثابت عن مطرّف قال:« ما سمعت أحدا يمدحنى إلا تصاغرت إلىّ نفسى، أو قال: مقتّ نفسى». و أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢/ ١٩٨.
[٢] - أبو البخترى هو سعيد بن فيروز الطائى، أحد أصحاب على رضى اللّه عنه، و كان من ثقات العباد، و هذا الأثر أخرج نحوه ابن أبى شيبة ١٣/ ٤٢٣( ١٦٧٨٩) عن عطاء بن السائب أن أبا البخترى و أصحابه كان إذا سمع أحدهم يثنى عليه أو دخله عجب ثنى منكبيه و قال: خشعت للّه.