الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٣٩ - باب ما يصح للعبد من غمه عندما يظهر للخلق من ذنوبه
باب ما يصح للعبد من غمه عندما يظهر للخلق من ذنوبه
قلت: هل يصحّ إذا اطّلع على بعض ذنوبي أن أغتم بذلك، و لست أجد الغمّ يكاد ألا يعرى منه أحد؟
قال: إن الغمّ فعل الطبع، إذا ورد عليه ما يخالف طبعه فعرفت نفسه ذلك بعينه هاج الغمّ، فالغمّ فعل الطبيعة. و الطبيعة: الغريزة على ما وافق و لم يخالف من قول أو عمل أو غير ذلك، فإذا هاج الغمّ عن الطبع كان الإخلاص و الصدق أو الرياء و الكذب عند ذلك، حينئذ يدعو العدوّ و النفس إلى الجزع من زوال المنزلة عندهم، و سقوط الشهادة و ترك البرّ و التعظيم للطاعة، فإن قبل ذلك و جزع لذلك فقد استعمل غمّه لما ينقصه في دينه، و إن كان غمّه خوفا أن يهتك ستره في القيامة لقول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «ما ستر اللّه، عزّ و جلّ، على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة»[١]، أو اغتمّ مما يعارضه طبعه مما امتحن به؛ خوفا أن يشغل ذلك عقله عن اللّه عزّ و جلّ، فقد أخلص و صدق.
و إن لم يستعمل واحدا من الأمرين، و ترك الغمّ الذي هو فعل الطبيعة و لم يستعمله، لم يضرّه. و من شغله الغمّ بعلم اللّه عزّ و جلّ بذلك الذنب عن الغمّ بعلمه، فذلك أولى و أفضل! و من شغله الغمّ بعلمهم عن الغمّ بعلم اللّه عزّ و جلّ فذلك الخاسر!
[١] - سبق تخريجه ص ٢٨٤.