الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٠٨ - باب بم يعرف سوء رغبة النفس
فلما نزلت بك النازلة خذلوك، و طلبتهم فلم تجدهم؛ علمت أنهم ليسوا معك، و لكنهم غرّوك، فبينا أنت متعجّب من خذلانهم و قلّة وفائهم، إذ وثبوا هم عليك، يعينون عليك عدوك؛ لطال منهم تعجّبك، و اشتد منهم حذرك فيما يستقبل، و لم تطمئن إلى موعد و عدوك به، و إن سمعتهم الثانية يذكرون نصرتك عند الشدائد مقتّهم، لما عرفت منهم.
فاعرف نفسك، فإنك لم ترد خيرا قط، مهما قل، إلا و هى تنازعك إلى خلافه، و لا عرض لك شر مهما قل، إلا كانت هى الداعية إليه، و لا ضيّعت خيرا قط إلا لهواها، و لا ركبت مكروها قط إلا لمحبتها، فحقّ عليك حذرها؛ لأنها لا تفتر عن الراحة إلى الدنيا و الغفلة عن الآخرة، فإن تيقظت للآخرة و تذكرتها و تفكرت فيها، نازعتك إلى الدنيا و إلى الراحة بالتذكّر و الفكر فيها، و التمنى لها، فما تمت لك قط ركعتان لم تنظر فيهما فى شىء من أمر الدنيا مما يشغلك عما أنت فيه، و لا تمّت لك ساعة من أجزاء النهار بالفكر فى الآخرة، لمجاذبتها إياك عن ذلك، و منازعتها إلى الدنيا، فإن غفلت عنها ركنت و اشتغلت، و إن تيقظت نازعتك لتشغلك عما أنت فيه من أمر آخرتك، فهواها قاهر لعقلك، يغفل عقلك و هى لا تغفل، و يذكر عقلك و هى تنازعك ألا يذكر، فلا يحلّ لك قتلها، و لا تقدر على مفارقتها، و هى بهذه المنزلة من العداوة لك.
فاعرفها و احذرها، فإنك إن عرفتها ازددت منها حذرا، و على ربك توكّلا، و به ثقة، و إليه طمأنينة، و لها بغضا و مقتا، و لربّك عز و جل مودة و حبا و منها إياسا و قنوطا، و لربك عزّ و جلّ رجاء و أملا، و للّه عزّ و جلّ بالنعمة و المنّة و التفضّل بما عملت اعترافا و إقرارا و شكرا، و أنها منه بريئة.