الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٢
و إجماع الأمة: أن اتباع الهوى يعمى عن الرشد، و يضل عن الحق، و يطيل المكث فى العمى!
فبدأت بإسقاط الهوى عن قلبى، و وقفت عند اختلاف الأمة مرتادا لطلب الفرقة الناجية، حذرا من الأهواء المردية و الفرقة الهالكة، متحرزا من الاقتحام قبل البيان، و التمست سبيل النجاة لمهجة نفسى.
ثم وجدت باجتماع الأمة فى كتاب الله المنزل، أن سبيل النجاة فى التمسك بتقوى الله، و أداء فرائضه، و الورع فى حلاله و حرامه، و جميع حدوده، و الإخلاص لله تعالى بطاعته، و التأسى برسوله صلى الله عليه و سلم، فطلبت معرفة الفرائض، و السنن عند العلماء فى الآثار، فرأيت اجتماعا و اختلافا، و وجدت جميعهم مجتمعين على أن علم الفرائض و السنن عند العلماء بالله و أمره.
و أن الفقهاء عند الله، العالمين برضوانه، الورعين عن محارمه، المتأسين برسوله صلى اللّه عليه و سلم المؤثرين الآخرة على الدنيا: أولئك المتمسكون بأمر الله و سنن المرسلين.
فالتمست من بين الأمة هذا الصنف المجتمع عليهم و الموصوفين، أقف آثارهم، و أقتبس من علمهم، فرأيتهم أقل من القليل، و رأيت علمهم مندرسا كما قال رسول الله صلّى اللّه عليه و سلم:
«بدأ الإسلام غريبا، و سيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء».
و هم: المنفردون بدينهم.
فعظمت مصيبتى بفقد الأدلاء الأتقياء، و خشيت بغتة الموت أن يفاجئنى، على اضطراب من عمرى، لاختلاف الأمة، فانكمشت فى طلب عالم، لم أجد لى من معرفته بدا، لم أقصر فى الاحتياط و لم أإن فى النصح.