الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٧٥ - باب الغرة بعلم العمال لله تعالى من علم الصدق و الإخلاص، و نفي الرياء و الأخلاق المذمومة و وصف الخوف و الرجاء و الحب
فلما افتقد ذلك، لم ير من قلبه فزعا من اللّه عز و جل، و رأى نفسه متمادية متسوفة، علم أن الأمن هو الساكن فى قلبه، إذ كان هو المستولى عليه عند حاجته إلى الخوف، و الخوف قد زايله عند حاجته إليه.
و أولى حال أن يكون الخوف من الخائفين الحال التى توعد اللّه، عزّ و جلّ، فيها بسخطه و عقابه، فلما فقد الخوف عند تضييع الفرض و ركوب الذنب، علم أن الخوف زائل عن قلبه، و أن الأمن حالّ فيه.
و كذلك جميع ما يصف بلسانه.
و إن هو قام ببعض و ضيّع بعضا، علم أنه لم يلزم قلبه من الخوف إلا بقدر ما حفظ من حق اللّه عز و جل، و أن الخوف فيه ضعيف، بخلاف ما كان يرى.
و كذلك يصف الزهد فى الدنيا، حتى إذا أوتى منها شيئا تشاغل به عن نفسه، و آثر به هواه و لذته، و أخرجه رياء للعباد، فعلم أن الزهد لو كان ساكنا قلبه لرفض الدنيا و نبذها عن الظّفر بها، و ما آثر على اللّه عز و جل و على الآخرة ما هو زاهد فيه و مبغض له.
و كذلك يصف الحبّ للّه عز و جل، و هو- عامة ليله و نهاره- ناس له عند اعتراض محبته، و إن أراد نفسه على الخلوة و الأنس بربه عز و جل استوحش ذلك و ثقل عليه؛ فإن خلا بخير لم يجد للخلوة بمناجاة ربه عز و جل نورا فى قلبه، و لا حلاوة لذكره، و إن عرض الأنس بالمخلوقين استراح إلى ذلك، و ملأ قلبه حلاوته.
فهل رأيت حبيبا ينسى حبيبه، و يؤثر محبة نفسه عليه، أو يستوحش من الأنس به، و يستأنس بغيره، و إن كان حائلا بينه و بينه؟ هذا كذب من