الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٢٨ - فصل في التثبت و حبس النفس عند الفعل
فصل في التثبت و حبس النفس عند الفعل
قلت: و ما التثبت؟
قال: حبس النفس قبل الفعل و ترك العجلة، و هو الصبر قبل الفعل.
قلت: فإن جاشت النفس إلى العجلة بالفعل، فما الذي يحبسها؟
قال: يذكّرها نظر اللّه عزّ و جلّ إليها، و يخوّفها نزول نقمته، فإن أبت عاتبها فقال لها: إن اللّه عزّ و جلّ يراك فلا تعجلي وقفي، فإنك موقوفة غدا على فعلك. و لا يدع الاستعانة باللّه عزّ و جلّ؛ أن يقوي ضعفه و يقهر له هواه، لأنه من ثقل عليه توقيف اللّه عزّ و جلّ غدا على فعله خفّ عليه في الدنيا أن يقف و يتثبت قبل فعله؛ خوفا و حياء من توقيف اللّه عزّ و جلّ غدا على فعله.
فبالعقل و العلم و التثبّت، يبصر الضرر و النفع من دواعي القلوب بالخطرات، و إلا لم يؤمن عليه أن يقبل خطرة من نزغات الشيطان، أو تسويل النفس يحسبها تنبيها من الرحمن جلّ و عزّ، أو ينفي خطرة من التنبيه على الخير يحسبها من تسويل النفس أو من تزيين الشيطان، فلن يميز بين ذلك و لا يعرفه إلا بالعلم و التثبت بالعقل.
و مثل ذلك: كمن هو في ظلمة شديدة في الطريق مخوفة من الآبار في المطر الوابل. فلن ينفعه بصره بغير سراج، و لن ينفعه السراج إن لم يكن له بصر صحيح، و لن ينفعه البصر و السراج إن لم يرم بصره حيث يضع قدمه و يتثبّت، فإن نظر إلى السماء أو التفت، و نظره صحيح و سراجه يزهر، كان