الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٥ - خطبة الكتاب
فمدح الناصت له؛ لأن يستمع عنه كلامه مع حضور العقل. و أمر عز و جل عباده بذلك أدبا لهم؛ لأن ينالوا بذلك الفهم عنه.
و روى عن وهب بن منبّه، أنه قال: من أدب الاستماع: سكون الجوارح، و غض البصر، و الإصغاء بالسمع، و حضور العقل، و العزم على العمل.
و ذلك هو الاستماع، كما يحب اللّه تعالى؛ أن يكفّ العبد جوارحه أن يشغلها فيشتغل قلبه عما يستمع، و يغض طرفه لئلا يلهو قلبه بما يرى، و يحضر عقله فلا يحدّث نفسه بشىء سوى ما يستمع إليه، و يعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم؛ لأن أول ما أدب اللّه به عز و جل عباده المؤمنين: أن يقدموا الإرادة و العزم على طلب الفهم عنه، ثم يستمعوا بإحضار عقولهم، و نياتهم في ذلك أن يفهموا عنه فيعملوا له بما يفهمون عنه.
قال بعض الحكماء: تعلّم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، فإن من حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى يقضي حديثه، و قلة التلفّت إلى الجواب، و الإقبال بالوجه، و النظر إلى المتكلم، و الوعي في أن يفهموا عنه فيعملوا له بما يفهمون عنه.
حدثنا الغلابي[١] قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول العلم حسن الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر[٢].
و ضرب بعض الحكماء مثلا لذلك كله فقال:
إن الباذر خرج ببذره، و ملأ منه كفّه فبذر، فوقع منه شىء على ظهر الطريق فلم يلبث أن انحط الطير عليه فاختطفه، و وقع منه شىء على صفا،
[١] - هو غسان بن المفضل الغلابى البصرى، وثقه ابن معين و الدار قطنى، و توفى سنة( ٢١٩).( انظر تاريخ بغداد ١٢/ ٣٢٩، و الجرح و التعديل ٧/ ٥٢).
[٢] - أخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء ٧/ ٢٧٤ إلا أن فيه« الإنصات» بدل« الفهم».