الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨٠ - باب الغرة بحفظ كلام المذكرين و القصص و أحاديث الزهد و غيره
باب الغرّة بحفظ كلام المذكّرين و القصص و أحاديث الزهد و غيره
و فرقة ممن ترى أنها من أهل العلم يحفظ أحدهم كلام المذكّرين و أحاديث الزهد و الذم للدنيا، لا يعرف معنى ما يقول، و لا ما يذكر به من الحديث، أكثر من أنه قد حبّب إليه ذلك و خف عليه.
فمنهم من يذكر به الناس.
و منهم من يذكره لجلسائه و إخوانه غير عارف بما يقول، و هو مع ذلك مغترّ بذلك، يرى أنه من العاملين للّه عز و جل، و العلماء به، و العارفين لذم الدنيا، يرى أن مثله لا يعذب و هو مع ذلك تعمّى عليه أكثر ذنوبه، لاغتراره بما يقول و يروى، و يرى أنه- إذ حفظ من الذكر ما حفظ، و من الأحاديث فى الزهد ما حفظ- قد جاوز مرتبة أهل الدنيا و الرغبة فيها، و أنه غير مراء و لا متكبر و لا معجب، و لا يأتى كثيرا من الذنوب، و إنما يفعل ذلك العوامّ الذين لا يعرفون ما يعرف هو، فهو مغتر بما يقول و يروى و يكتب.
قلت: فبم ينفى الغرّة بذلك؟
قال: يرجع إلى نفسه، فينظر: أين خوفه مما يذكر من الخوف و الرقة؟
و كيف حفظه لجوارحه عما كره اللّه عزّ و جلّ؟ و هل قلبه طاهر من كل ما يسخط اللّه عز و جل، عند دواعيه و نوازعه؟ أهو كما يصف به القلوب من الطهارة و نفى الأدناس عنها؟ و هل هو كما يروى من الحديث فى خشيتها