الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨٣ - باب الغرة بالجدل و حسن البصر بالاحتجاج و الرد على أهل الأديان
و الفرقة الثانية من المغترة بالجدل و البصر بالحجاج، تقول بالحق و لا تدين بغيره. و قد اغترت بالجدل، ترى أنه لا يصحّ لها قول دون الفحص و النظر و قيام الحجّة على من خالفها، و قد اغترّت بذلك؛ حتى قطعت أعمارها بالاشتغال عن اللّه عزّ و جل، و عمّى عليها أكثر ذنوبها و خطئها، و هى تظن أن ذلك أولى بها و أقرب لها إلى ربها، و هى أيضا لا تسلم فى مجادلتها من أن تخطئ فى تأويلها و قولها، إلا أن اعتقادها السنّة مع اغترارها.
قلت: فبم ينفيان الغرّة بذلك؟.
قال: أما الفرقة الضالة فإنها تنفى ذلك بأن ترجع إلى أنفسها، فتعلم أن من القرآن محكما و متشابها، و كذلك من السنة، فلا يقضى بمتشابه على محكم، و لكن يقضى بالمحكم على المتشابه، و أنّ الخطأ فى التأويل لا يحصى، فتتهم نفسها، و تعلم أن اللّه عز و جل سائلها عما تدين به، و أنّ الجماعة قد مضت على الهدى و سنّة نبيها صلّى اللّه عليه و سلم، و لا تخرج من إجماعها، و إن حسن ذلك فى عقولها.
فإن تثبتت كما وصفت لك أبصرت ضلالتها، و لم تغترّ بشدة حجاجها، إذ علمت أنّ غيرها ممن خالفها شديد الحجاج بصير بالجدل، و هو عندها ضالّ مضلّ، فكذلك لا تأمن أن تكون عند اللّه عزّ و جل كذلك، و إن أبصرت الجدل و الخصومات.
فإن اتهمت نفسها على الآراء و التأويل، و تثبتت عند المتشابه، فقضت بالمحكم عليه، و توقفت فيما لم يجعل اللّه لها النظر فيه، و لم يخرج من إجماع من مضى؛ زالت عنها غرّتها، و ثابت إلى ربها من ضلالتها.
و أما الفرقة المصيبة للحق، مع غرتها عن اللّه عز و جل، بالخصومات و الجدل