الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٦٦ - باب ما يخاف العبد على نفسه بعد قيامه لله عز و جل بحسن الرعاية في ظاهره و باطنه
قال: إنى لم أقل: إنه لا ينصح أحدا إلا رجع عن الصدق، و لكن أخبرتك بما أخاف عليك إن لم تصدق اللّه عز و جل.
قلت: فمتى يصحّ لى أن أنصح بغير زوال؟.
قال: إذا عرفت لنفسك أن اللّه عز و جل قد منّ عليك بالقوة، و صار شأن المخلوقين عندك صغيرا، و كان الغالب عليك نفى خطرات حمدهم و ذمهم و الطمع لما فى أيديهم، و سخت نفسك بعيبهم لك فيما يحمدك اللّه عليه، من غير محبّة عصيان اللّه جل و عز فيك، فغلب على قلبك اليقين بالمقدور، فزال طمعهم عن قلبك، فعزمت على النصح لهم، بعد معرفة منك بما يصلحهم من كتاب ربّك عزّ و جلّ و سنّة نبيك صلّى اللّه عليه و سلم، فانصحهم و احذر أن ينتشر عليك طبعك.
فكلّ خاطر يدعو إلى كراهة مذمّة أو حب محمدة أو طمع فى دنيا فاردده عنك، و إن خيّل إليك أنك تجترّهم بذلك، فإن ذلك خدعة: أن تطلب نجاتهم بهلاكك و أنت ترى أنك ناج.
فإذا قويت بهذه القوة، و تفقدت هذه الخطرات فلم تقبلها، و لم تغضب أن يستخف بشىء من حقّك، أو يردّوا عليك شيئا من قولك، و ترجع إلى اللّه عزّ و جل فى ذلك، و ترضى بما قدر لك، و تعلم أن فيما تطالب من حق اللّه عز و جلّ من الحمد و الثناء عوضا من حمدهم، و زوال ذمهم، و الطمع لما فى أيديهم، و أنهم مع ذلك لم يقدروا أن يوصلوا إليك ما لم يقدّر لك، و لا يحمدوك بما لا يلقى اللّه عز و جل لك فى قلوبهم، قانع بعلم اللّه عز و جل وحده و بحمده، غير مكترث لذمّهم فيما يحمده اللّه عز و جل، غير طالب منهم ثوابا و لا إكراما، قانع بما تأمل من اللّه عز و جل من الثواب فى الدنيا