الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٥٣ - باب التمييز بين الرجاء و الغرة
و قال عز و جل: وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ[١].
فأخبر أن الجزاء و الثواب أجور العمّال على الأعمال؛ ليرجوا ذلك الجزاء، فيعملوا تلك الأعمال، رجاء أن ينالوا ذلك الثواب.
ثم أخبر أنهم الراجون دون المغترين، فقال عز و جل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ[٢].
فأخبر أن العاملين هم الراجون رحمة اللّه تعالى لا المغترون.
فالمغتر بذكر الرجاء يظنّ أن الغرّة منه رجاء، فيقيم على معاصى اللّه عز و جل، و يظنّ ذلك حسن الظنّ منه، و ليس ذلك بحسن ظن، كما قال وهب: حسن الظن باللّه ما جانب الغرّة. و قيل للحسن: إن قوما يقولون: نرجو اللّه عز و جل و يضيّعون العمل، فقال: هيهات هيهات، تلك أمانيهم يترجحون فيها، من رجا شيئا طلبه، و من خاف شيئا هرب منه.
و دخل رجل على مسلم بن يسار، فقال مسلم: لقد سجدت البارحة حتى سقطت ثنيتاى[٣]، فقال الرجل: إنا نرجو اللّه عز و جل، فقال مسلم: هيهات هيهات، من رجا شيئا طلبه، و من خاف شيئا هرب منه.
فالرجاء هو ما هاج من الطمع و الأمل فى اللّه عزّ و جلّ، فسخّى نفس العاصى بالتوبة و حال بينه و بين القنوط، و بعث العبد على الطاعة للّه عز و جل، و التشمير و الاجتهاد، رجاء ما وعد العاملين.
[١] - آل عمران: ١٨٥.
[٢] - البقرة: ٢١٨.
[٣] - الثنية: هى السن الذى فى مقدمة الفم، و الجمع ثنايا.