الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٧٤ - باب الغرة بعلم العمال لله تعالى من علم الصدق و الإخلاص، و نفي الرياء و الأخلاق المذمومة و وصف الخوف و الرجاء و الحب
أجله، و نفيه إياه عن قلبه، و لكن يصف ما عرفه من العلم من محبّة اللّه عز و جل و ما يكره، من غير تفقّد منه لنفسه، و لا قيام اللّه بما يحب فى جميع ذلك.
قلت: هذه الغرة المستحكمة، كيف له أن ينفى الغرّه بذلك من بعد ما علم أنه مغتر، و ما الدليل عنده أنه مغترّ بجميع ذلك غير قائم به؟
قال: إن الوصف للعلم غير العمل به، فليبل[١] نفسه عند العمل بذلك، فإنه يبين له أنه مغتر، لأنه إنما خاف من اللّه عز و جل و سكن الخوف قلبه فيما يرى أن يعذبه بذنبه، كما قال على رضى اللّه عنه: «لا يخاف أحدكم إلا ذنبه»، و إن كان اللّه عز و جل يستأهل أن يخافه العبد و إن لم يذنب ذنبا، كما خافته الملائكة و إن لم تذنب ذنبا، لأن أول منازل الخائفين الخوف من الذنوب فإذا بلى نفسه و اختبرها عند أول منازل الخائفين فافتقد الخوف منها، فلم يجده علم أنه اغتر بما يصف بلسانه، و أنه ليس من أهله.
فإذا عرض له فرض فى باطنه أو ظاهره سرا أو علانية نظر، هل تسارع نفسه إلى القيام به حذرا من اللّه عز و جل من تضييعه؟ و إذا عرض له ذنب مما يسخط منه ربه عز و جلّ نظر، هل تسارع نفسه إلى تركه خوفا من اللّه عز و جل أن يحل به غضبه، فإذا تفقد نفسه عند القيام بالفرض و ترك الذنب، فوجدها مضيّعة لفرض اللّه عزّ و جلّ غير خائفة، و راكنة إلى الذنب غير فازعة منه، علم أنه لو كان الخوف ساكنا قلبه قائما به حذرا من ربه عزّ و جل، لاشتد هيجانه عند تضييع الفروض و ركوب الذنوب، إذ ادّعت نفسه أنها تخاف اللّه، و أن ما يصف من الخوف هو ساكن فيها، و إذا لهاج الخوف أعظم مما كان يجده عند وصفه له، من غير أن يعرض فرض و لا ذنب، إذ كان فى ذلك غضب اللّه عزّ و جل و إيجاب النار عليه.
[١] - يعنى: فليختبر.