الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٤٩ - باب معرفة من يطلب النوافل بالاستعانة بما يفسد عمله و ما يلحقه من الآفات
مظلمة، أو يأخذ لمسكين أو في وجوه البرّ، أو يحتسب و يطلب القضاء، أو يلي المظالم يريد بذلك التطوع و القربة و هو لا يسلم من جميع ذلك.
فإن كانت نيته بما يقول صادقا فقد غلط و جهل، يتقرب إلى اللّه عز و جل بما يباعده منه، و إن كانت نيته الاستكثار من الدنيا أو الرفعة بها، فقد جمع كذبا و غلطا.
أو كمن له ضيعة فيأتي السلاطين و يعظمهم أو يداهنهم في المنكر، و كذلك يؤانس أهل البدع و يعظمهم ممن له الجاه عند السلطان أو له المال الكثير يريد بذلك أن يستعين به على دفع مظلمة لغيره أو عونا لضعيف، أو يأخذ من الدراهم للفقراء.
و كذلك يحبّ في اللّه عزّ و جل الإخوان، فيغضب لغضبهم بغير حقّ؛ فيصارم من صارموا[١]، و يعادي من عادوا، و يغتاب من يغتابون يريد بذلك- فيما يخيل إليه- القيام بالحبّ في اللّه عزّ و جل، و قد عصى اللّه عزّ و جل و هو لا يشعر.
و كذلك يصوم تطوعا في الحرّ و غيره، حتى يضجر و يخرج منه إلى والديه و أهله أو خادمه و من عامله ما لا يحلّ له، و إذا أفطر لم يفعل من ذلك شيئا، و كذلك قد يقطعه هذا الصوم عن طلب المعاش الذي لابد له منه، و قد اختلفوا في وجوب طلب المعاش، و قد كثرت هذه الفرقة من القراء بطلب النوافل فيما تزعم بترك الواجب.
و كذلك يتجوع و يقلّ المطعم، يتزهد- زعم- بذلك، فيخرجه ذلك إلى ما لا يحلّ له من الضجر و العجز، و يقطعه عن معاشه و عما هو أولى به من
[١] - المصارمة: المقاطعة.