الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦٧ - باب الغرة بالفقه
باب الغرة بالفقه
و الفرقة الثانية: يغتر أحدهم بالفقه فى العلم بالحلال و الحرام، و البصر بالفتيا و القضاء، فهو يغتر كغرة الحافظ بالعلم و أعظم غرّة، حتى لا يرى أن أحدا أعلم باللّه عزّ و جلّ منه، لأنه قد علم الحلال و الحرام و الفتيا و القضاء، فهو القائم للأمة بدينها، و مفزعها إليه، و لولا مثله ضاع الدين، و ما عرف حلال من حرام، و استصغر أهل الرواية و الحفظ، إذ لم يفقهوا الحلال و الحرام، و يعلموا الحكم و القضاء، فهو عند نفسه القائم بالدين دون غيره، و أن اللّه عز و جل لا يعذب مثله، و أنه لا يعتقد ما كره اللّه عز و جل، لأن مثله لا يركن إلى ما كره اللّه عز و جل، و لا يطمع الشيطان فى مثله، إنما يطمع فيمن جهل حلال اللّه و حرامه، فيغتر بذلك، فيقلّ حذره من اللّه عز و جل و رهبته له، و تعمى عليه أكثر ذنوبه مما لم يفقه عن الله عز و جل فى تركها و القيام فى حقه فيما أحل و حرم.
قلت: فبم ينفى ذلك؟
قال: بمعرفته أن الفقه عن اللّه عز و جل- فيما عظم من نفسه و أخبر به من جلاله و هيبته، و نفاذ قدرته، و ما وعد من ثوابه و توعد به من عقابه- أعظم الفقه و أشرفه، و أنه لن ينفع الفقه فى الحرام و الحلال إلا بالفقه فى ذلك، لأن من فقه عن اللّه عز و جل فيما أخبر من عظمته و جلاله، و هيبته، و نفاذ قدرته، و ملكه للأشياء فى الضر و النفع دون غيره، و ما وعد من ثوابه و توعد به من