الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٢٥ - باب عمل السر و الضعف عن إظهار العمل خوف العدو و حذر الشهرة
باب عمل السر و الضعف عن إظهار العمل خوف العدو و حذر الشهرة
قلت: فإذا كان فضل عمل السرّ كما ذكرت على عمل العلانية، و لسنا من رجال القدوة، فلا نظهر عملا و لا نعمل إلا سرّا؟
قال: ذلك غلط و خدع من العدو؛ لأن اللّه عزّ و جلّ مدح السرّ و العلانية، فقال عزّ من قائل: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً[١].
و قال عزّ و جلّ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[٢].
فالسرّ أفضل من العلانية، و العلانية أفضل من البطالة و ترك العمل، فالسر أفضل ما أمكن السر، فإذا لم يمكن السرّ فالعمل علانية مع الإخلاص للّه وحده أفضل من الترك.
قلت: فقد كره المعرفة و الشهرة بالخير قوم أئمة أقوياء: منهم إبراهيم، استأذن عليه رجل و هو يقرأ فأطبق المصحف، فقال: لا يرى هذا أني أقرأ كل ساعة. و منهم إبراهيم التيمي، قال: إذا أعجبك الكلام فاسكت، فإذا أعجبك السكوت فتكلّم[٣]. و قال الحسن: إن كان أحدهم ليمرّ بالأذى ما يمنعه من رفعه إلّا كراهية الشهرة، و في ذلك آثار كثيرة. و كان أحدهم يأتيه
[١] - البقرة: ٢٧٤.
[٢] - البقرة: ٢٧١.
[٣] - أورده ابن المبارك في الزهد( ٢٠٢) عن بعض الحكماء.