الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٢٣ - باب العبد يحدث إخوانه ببعض ما يقوى عليه من العمل ليحضهم على ذلك
فلا ينبغي للمريد العارف أن يخدع نفسه و ما جرب منها بأن يتعرّض للبلاء و ليلزم العافية، و إنما مثله مثل سابح رحم الغرقى ليخرجهم فتشبثوا به فغرّقوه، و ليته يغرق كغرق الماء، و لكن يكون منه ما يتعرض به للمقت من اللّه عزّ و جلّ.
و من قوى عزمه، و هانت خطوات العدو عليه في قبول الرياء، و لم يحمله على إظهار العمل إرادة غير اللّه عزّ و جلّ، أو ظهر و هو لا يريد إظهاره فسرّ بما ظهر للناس، فلم يهجه على ذلك قلة القنوع بعلم اللّه عزّ و جلّ و طلب علمهم، و لكن أهاجه قلة القنوع بطلب الأجر في عمله وحده، حتى أراد أن يتقرب بحضهم على طاعة اللّه عزّ و جلّ، فيكون له أجر ذلك مع أجره على عمله، و لم يجاوز قدره فيمن يقتدى به إلى من لا يقتدي به؛ فهو أعظم أجرا.
و قد اختلف الناس في ذلك: فقالت طائفة من أهل العلم: عمل السر أفضل من عمل العلانية للقدوة و غيرها، و عمل العلانية للقدوة أفضل من عمل العلانية لغير القدوة.
و قالت فرقة: عمل السرّ أفضل من عمل العلانية لغير القدوة، و عمل العلانية للقدوة أفضل من عمل السر، و لولا أن عمل العلانية للقدوة أفضل لما حضّ النبي صلّى اللّه عليه و سلم على ذلك. و إنما حضهم ليفعلوا ما يستن بهم، و ذلك لا يكون إلا علانية.
حضهم على عمل العلانية لهذا المعنى، و أخبرهم أن لهم أجرهم و أجر من اتبعهم، فهذا دليل على أنه أخرجهم بالحض و الترغيب من عمل السر إلى عمل العلانية؛ لكثرة الأجر، لا إلى الرياء به، و أخبرهم أن لهم أجرهم و أجر