الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٤٤ - باب ما يستحب فيه الحياء و ما يكره فيه
و مثل ذلك: كمثل رجل أتى رجلين فسأل أحدهما قرضا أو صلة، فكان أحدهما ليس في قلبه حياء، فردّه، إذ لم تسخ نفسه بالإعطاء، و الآخر سئل ما لا تسخو به نفسه، فيمنعه الحياء من البخل من أن يرده، فأمسك عن إظهار الردّ، و بادر ليفعل؛ فوجد إبليس و النفس موضع دعاء، فقال: أعطه؛ لئلا يقول: ما أبخله إن لم تعطه! أو أعطه؛ ليثني عليك به و يعظمك به، أو أعطه؛ ليكافئك عليه. و هذا أيسرها، فاعتقد ذلك، و أعطاه، و لا يشك أنه أعطى للحياء عند نفسه لبدو هيجان الحياء من طبعه.
و يسأل آخر ما لا تسخو به نفسه، فلم يقو أن يرده لما هاج في قلبه من الحياء، فخطر خاطر الرياء فنفاه، و قال: لا، بل للّه عز و جلّ، أو لما رأى نفسه تمتنع من الرد من أجل الحياء ذكر في ذلك الوقت ثواب اللّه عز و جلّ، فأراده، و لولا الحياء لردّ صاحبه، و لما أمسك حتى ينوي الإعطاء للّه عز و جلّ.
و لو أنه أخلص بالإعطاء شكرا لمن جعل غريزته تهيج بالحياء، أو لمن وهب له الحياء، و لم يجعله كمن لا يستحي دون طلب الثواب، لكان اللّه عز و جلّ يستحق ذلك فكيف بطلبه الثواب؟!
و آخر يسأل أشياء، فهاج من الحياء ما لا يملكه، فأعطاه العزم عليه و لم يقبل خطرة رياء، و لم يذكر ثوابا، و ما أقلّ ذلك: أن يعطي عبد، أو يعمل، أو يترك إلا لرغبة أو رهبة، فإن أعطاه على ذلك الحياء أو أمسك عما لا ينبغي أعطاه مع الحياء، فهو خير عن خلق كريم، ما لم يعتقد الرياء.
و من جمع مع الحياء إرادة اللّه عز و جل، و ثوابه، فذلك أفضل؛ لأن الحياء غريزة كريمة، لا يعطاه كل أحد، و لا ينزع الحياء إلا من قلب شقي و من ذلك ما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم: أن رجلا من أهل اليمن أراد أن يشرب سويقا