الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٣٤ - باب منازل أهل الرعاية لحقوق الله عز و جل في رد الخطرات و قبولها في أعمال القلوب و الجوارح على قدر منازل أهل القوة و الضعف
كان مما لا يبلغه علمه، فإنه إن لم يفعل ذلك لم آمن عليه أن يضلّ بغير دليل، فيعتقد الشرّ و يحسب أنه خير، أو ينفي الخير و يحسب أنه شرّ، و يعرف الشرّ ثم يعتقده، أو يعرف الخير ثم يجانبه، و لو تبيّن ذلك لم آمن ذلك عليه أيضا.
فإذا فعل ذلك فقد رعى حقوق اللّه عز و جلّ في جوارحه، فلا يخطر بقلبه خطرة تدعو إلى القول بلسانه، فيعتقد الهمّ بها، و لا يأذن للسانه أن ينطق بها، حتى يتبين له فى العلم بالكتاب و السنّة، أو في إجماع الأمة أن اللّه عزّ و جلّ أمر بها أو ندب إليها و أباحها، و كذلك الداعي إلى الاستماع إلى صوت من الأصوات فيعتقد الهمّ إلى الإصغاء إلى ذلك الصوت، إلى أن يتبيّن له فى العلم أن اللّه عزّ و جلّ قد أذن في ذلك أو ندب إليه أو أباحه.
ألا ترى إلى ما جاء في الحديث عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه مرّ بزمّارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، و عدل عن الطريق، حتى قيل له: إن الصوت قد انقطع[١]. فمنع سمعه، فلم يأذن له إلى ما كره اللّه عزّ و جل.
و كذلك إن خطرت خطرة تدعو إلى نظرة، لم يعقد الهمّ بها، و لم يدع بصره يتردد في النظر إليها إن كانت نظر فجأة، حتى يعلم أن اللّه عزّ و جلّ قد أمر بها أو ندب إليها أو أباحها، و كذلك يداه: لا يعقد الهمّ ببطشهما و حركاتهما، بل لا يخلّى بينهما و بين البطش، و كذلك الرّجلان لا يخلى بينهما و بين المشي حتى يعلم أن اللّه عز و جلّ قد أمر بها أو ندب إليها أو أباحها، في كتاب أو سنّة أو في إجماع الأمة.
[١] - الحديث عن نافع قال: سمع ابن عمر مزمارا ... فذكر القصة إلى أن قال ابن عمر: كنت مع النبي صلّى اللّه عليه و سلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا.
أخرجه أبو داود- و قال: حديث منكر- في الأدب ٤/ ٢٨١( ٤٩٢٤)، و أحمد ٢/ ٨، ٣٨.