الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٣٣ - باب منازل أهل الرعاية لحقوق الله عز و جل في رد الخطرات و قبولها في أعمال القلوب و الجوارح على قدر منازل أهل القوة و الضعف
خطرات التنبيه على الخير و الشرّ لئلا يقبلها، لأن على العباد- و إن أرادوا اللّه عزّ و جل- أن يصيبوا الحقّ بذلك.
و قد ذمّ اللّه عزّ و جلّ قوما و لم يعذرهم، بأن رأوا أن الشرّ خير و الخير شرّ فقال جلّ و عزّ: وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً[١].
و قال عزّ و جل: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً[٢].
و قال حذيفة رضي اللّه عنه لرجل سأله عن الرجل يقاتل يريد وجه اللّه عزّ و جلّ، فيقتل، و لم يوفق للحقّ؟ فقال: ليدخلن النار ممن يقتل أكثر من كذا و كذا، و لكن من قاتل يريد وجه اللّه عزّ و جلّ، فأصاب الحقّ فهو في سبيل اللّه.
و من لم يوفّق للحقّ، لم يوفّق للخير، و كذلك الذي ينفي خطرات من الخير يحسبها سوءا و لا يميز بين ذلك إلّا بشاهد العلم من الكتاب و السنّة، و إذا تبين، له بشاهد العلم إحدى الخطرتين، أنها مما أحبّ اللّه عزّ و جلّ من عمل قلب أو اعتقاد سنة قبلها و عزم عليها، و إن تبيّن له بشاهد العلم أنها مما كره اللّه عزّ و جلّ أو ذمه في كتاب اللّه عزّ و جلّ، أو في سنّة النبي صلّى اللّه عليه و سلم، أو اجتمعت عليه العلماء[٣]، نفاها عن قلبه و حجب قلبه عنها.
فإن لم يتبيّن له عند إحدى الخطرتين ما هي، أهي مما أحبّ اللّه عزّ و جلّ، أو مما كره اللّه تعالى؟ وقف و تثبت ابتداء، أو يشهد العلم له بأحد الأمرين فيقبل أو ينفي، و هو في فسحة حتى يتبيّن بالنظر بقلبه، أو بسؤال العلماء، إن
[١] - الكهف: ١٠٤.
[٢] - فاطر: ٨.
[٣] - يعني أجمع العلماء على كونها مما يكره اللّه عز و جل.