الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٣٦ - باب ما ينفي به العجب بأعمال الطاعة
فرصة أو غرّة[١] فيرجع و يتركك، و يرفض ما فى يديه مما استرعيته من عملك أكنت له حامدا، أو فى أمره متزينا؟
فكذلك نفسك قد كانت حريصة على الركون من قبل إلى الدنيا و إيثارها على الآخرة، فكانت جاهدة أن تستأسرك بهواها، فتكون به لها عاملا، و لطريق نجاتك إلى الآخرة تاركا، فأبى اللّه عز و جلّ إلا أن يوفقك و يسدّدك، فقوّى ضعفك، و نوّر قلبك، و أعانك عليها، حتى رفضت كثيرا مما تهوى، و تركت كثيرا مما تحب، و ما انقادت إلى خلاف ذلك إلا بالكره و الجبر، ثم وهب لك زجرها و معاتبتها، و قوّى عقلك على هواها، و علمك على جهلها، و وفّقك لدوام ترك إجابتها، حتى أيست منك أن تنال محبّتها، و انكسرت عما كنت عوّدتها، فأجابت مسرعة على غير انقلاب من طبعها، و لا تغيير عن غريزتها، و أنت مع إجابتها لك متوقع لرجوعها، تسأل الذى تولّى معونتك عليها، و قهرها حتى انقادت لك طائعة بعد امتناعها- أن يديم ذلك لك، و لا يسلبك: هو خشية أن يتبرى منك، فتثب عليك، فترجع بك إلى جميع ما تحبّ و تهوى، فيكون فى ذلك هلاكك فى دنياك و آخرتك.
فهل تجد بينها و بين الأسير فرقا؟ بل هى أشد بلاء من الأسير و أعظم فتنة.
قلت: قد أجد بينها و بين الأسير فرقا، لأن الأسير لا يرى أن الخير فيما يراد به، و هى قد علمت أن ما يراد منها خير لها فى العاجلة و الآجلة.
قال: فقد ساوت الأسير فى مخالفته، و فضلت عليه فى الشر، فإنها أبت و عصمت عن معرفة و بيان، و الأسير أبى و عصى عن جهالة و عمى، و لعله لو علم ما يراد به من الإسلام و الفرق بينه و بين الكفر و دار الحرب التى أهلها
[١] - الغرة: بكسر الغين: الغفلة.