الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٦٣ - باب منازل الرياء و أوقاته
و في حديث آخر: «لا أجر لكم، قد استوفيتم أجوركم».
و روى ابن المبارك عن وهب: أن رجلا من السياح قال لأصحابه: إنا إنما فارقنا الأموال و الأولاد مخافة الطغيان، فنخاف أن يكون قد دخل علينا الطغيان في أمرنا أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم، إن أحدنا إذا لقى أحب أن يعظم لمكان دينه، و إن سأل حاجة أحب أن تقضي لمكان دينه، و إن اشترى شيئا أحب أن يرخص له لمكان دينه، فنخاف أن يكون قد دخل علينا الطغيان في أمرنا هذا أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم. فبلغ ذلك ملكهم فركب إليه في الناس؛ فإذا السهل و الجبل قد امتلأ بالناس. فقال السائح: ما هذا؟ قيل: هذا الملك قد أظلك. فقال لغلام له: ائتني بطعام، فأتاه بلبن و حمّص. و قال في الحديث الآخر: و زيت، و قلوب الشجر، فجعل يحشو شدقيه و يأكل أكلا عنيفا، فقال الملك أين صاحبكم؟ قالوا: هذا، قال:
كيف أنت يا فلان؟ فقال في أحد الحديثين: كالناس، و قال في الآخر: بخير.
فقال الملك ما عند هذا من خير، فانصرف عنه. فقال السائح: الحمد للّه الذي صرفك عنّى و أنت لي ذام.
فلم يزل العاملون للّه جل و عزّ يخادعون العباد عن أعمالهم الصالحة، كما يخادع العاملون لغيره عن سيئاتهم، إرادة أن تكون أعمالهم الصالحة سرّا بينهم و بين ربهم جل و عز، ليجزيهم بها علانية على رءوس أهل القيامة.
******