الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦٢ - باب الغرة من أهل النسك و أصنافهم و اختلافهم، و غرة أهل العلم
باب الغرّة من أهل النّسك و أصنافهم و اختلافهم، و غرّة أهل العلم
قلت: فما الغرّة ممن أظهر النسك وعدّه الناس و عدّ هو نفسه من الديانين؟
قال: أولئك فى الغرّة أصناف مختلفون: فمغتر بالعلم، و مغتر بالقليل من العمل، و مغترّ بالبصر بالحجاج و الجدال، و مغتر بالستر و الإمهال، و مغتر بالثناء من الناس و التعظيم منهم له، و مغتر بذكر آبائه الصالحين.
فأما المغترون بالعلم فهم فرق شتى على قدر منازلهم فيه.
فمنهم فرقة تغتر بكثرة الرواية و حسن الحفظ، مع تضييع واجب حق اللّه عز و جل، و تخيّل نفس أحدهم إليه وعدوه[١] أن مثله لا يعذّب، لأنه من العلماء، و أئمة العباد الحافظين على المسلمين علمهم، و يعمى عليه أكثر ذنوبه، فلا يرى أن مثله فيما بلغ من العلم يرائى و لا يعجب و لا يتكبّر و لا يحسد، و إنما يفعل ذلك الجهال الذين لا يعرفون العلم و لا يحفظونه، فيقلّ خوفه و حذره من عذاب اللّه عز و جل و يغفل التفقد لنفسه، إذ كان يرى أن مثله لا يعمل بالأخلاق الدنية؛ لأنه قد ارتفع بالعلم عن ذلك، فلا يتّهم نفسه، فإذا لم يتهمها لم يتفقد من نفسه الأخلاق المذمومة عند اللّه عز و جل، و لم يحذرها؛ لأنه إنما يتفقدها الجاهل، فأما مثله فقد ارتفع بالعلم عن ذلك، فيضمر ما يكره اللّه عز و جل، من الرياء و العجب و غيره، و يغتاب و يهمز و يلمز،
[١] - المقصود بعدوه: الشيطان، فهو مع النفس يخيلان للعبد ذلك.