الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٨
أعمال جوارحهم بالإخلاص له».
٣- الزهد:
و يأتى فى مرتبته بعد المحاسبة، نزعة الزهد فى منهج المحاسبى، هو زاهد بحكم مزاجه المدقق، فقد تورع عن أن يرث عن والده شيئا، و تورع عن أن يأكل شيئا من عند تلميذه الجنيد لأنه لم يتحقق من مصدره، و مات و هو محتاج إلى درهم، و بلغ من تطرفه و اختياره للأقسى، فى أول عهده للتصوف أن آثر عدم كسب الحلال، ثم اعتدلت آراؤه و اتزنت و إن بقيت نزعته الأصلية المتقللة أصيلة فى فكره و سلوكه، و قد مات يوم مات و هو محتاج إلى دانق.
و كتاب الحارث «المسائل فى الزهد و غيره» محاولة لبسط فلسفته الخاصة فى الزهد فى ضوء آيات الكتاب و مأثور السنة و سلوك رجال السلف من الصحابة و التابعين. سئل المحاسبى عن الزهد بالدنيا أفرض أم نفل؟ و ما الفرض و ما النفل؟ فقال: فرض الله على العباد الزهد فى حرامه، و نفلهم الزهد فى حبس حلاله لموضع الفضل، و أمرهم بالرغبة فيما فيه رغبهم، و بالزهد فيما فيه زهدهم، فإذا كان الرجل يحسن التمييز بين الفرض و النفل، لم يقدم على الحرام و لم يزهد بالحلال. إلا أن الله تعالى لم ينفل أن يزهد الإنسان فى حلاله، و لكن نفل أن يزهد فى حبس الحلال عن إنفاقه فى وجوهه[١].
و أما بواعث الزهد و أسبابه: فخفة المؤونة و الراحة من عظيم الكلفة لأنه إذا حل بالزهد حط الكريم عنه فى الدنيا مؤونة الراحلة: و استراح من تعب النقلة، و حلت نفسه بالطمأنينة[٢].
[١] - المسائل فى الزهد ص ٤٣، ٤٤.
[٢] - المسائل فى الزهد ص ٤٥.