الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٥٧ - باب في الرياء للوالدين ليرضيا و للعلماء ليستفيد به علما
باب في الرياء للوالدين ليرضيا و للعلماء ليستفيد به علما
قلت: فهل يجوز الرياء للعالم ليستفيد منه علما، لا يريد بذلك دنيا، و رياء الوالدين ليرضيا عنه، يريد بذلك رضاهما، و لا يريد بذلك دنيا؟
قال: لا، هذه أغلوطة و خدعة؛ لأن اللّه عزّ و جلّ إنما أمرك أن تعمل له وحده و تريده وحده، و رياؤك لتزداد علما خسران و جهل، فكأنك قلت: أخسر عملا بازدياد علم؛ لأن إرادتك أن يحمدك العالم ضدّ إرادتك أن يحمدك اللّه عزّ و جلّ، فذلك يحبط عملك، و لعلك لا تستفيد علما. و لعلك إن استفدته لن ينفعك اللّه عزّ و جلّ به بسوء إرادتك، لما راءيت بعملك.
و ليس رياؤك بالذي تزداد به علما؛ إذ كان ما يصير إليك من العلم مقدورا، راءيت أو أخلصت، فإنه لا يصل إليك إلا ما قدّر لك، و ما لم يقدّر لك لن يصل إليك، و ما علم العالم بأنك تريده فيزيدك علما، بل لو علم أنك إنما تريده لغيره لمقتك- و كنت أحرى أن يمنعك العلم[١]- لما ظهر له من سوء ضميرك، فكيف تأمن اللّه عزّ و جلّ أن يمنعك ما تأمل من العلم، لما يعلم من سوء ضميرك، و إن أعطاك إياه منعك المنفعة به عقوبة، فتكون إنما ازددت حجّة و لم تنل منفعة، مع خسران العمل و حبطه و تعرضك للمقت.
و كذلك و الداك: إنما تطلب رضاهما لرضى اللّه عزّ و جلّ، و في رضى اللّه عزّ و جلّ ترك الرياء له، فكأنك قلت: أطلب رضى اللّه عزّ و جل بسخط اللّه عز و جل.
[١] - أي كنت أحرى أن يمنعك العلم من إرادة غير اللّه عز و جل من عالم أو غيره.