الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٥٦ - باب استواء الحمد و الذم في قلب العبد و الفرق بين حبه لنفسه و لربه عز و جل
عليها غيره، كيف كان حبّه الحامد، إذا أحبّه للّه عز و جل، و بغضه الذامّ إذا أبغضه للّه عز و جل؟ و يحمل قلبه على أن يدين اللّه بمثل ذلك سواء.
قلت: فالطبع لا يستوي فيه حمده و حمد غيره، و ذمّه و ذم غيره.
قال: أجل، ما أقل ذلك! و لكن يتديّن بعقله و علمه أن يحبّه و يبغضه على نحو مما يبغض من يذم غيره و يحبّ من يحمد غيره، و يكون رادّا على هواه، كارها للفضل بينهما كما يكره منازعة النفس و مخالفتها بين الحمد و الذم، إذا استوى ذلك عنده، من قبل تدينه بعقله لربه عز و جل.
و كذلك يستويان عنده في الحب و البغض للحامد و الذام لغيره و الحامد و الذام لنفسه، و يكره ما نازع من الطبع من الزيادة و الفضل بينهما التي تنازع الطبع إلى التفرقة بينهما، و إذا فعل ذلك فقد دان اللّه بالحب و البغض للمطيعين و العاصين، و دان اللّه عز و جل بالتهاون بحمد المخلوقين و ذمهم، فاستوى ذلك عنده، و ما خالف هذين بالمنازعة من قبل هواه كرهه و لم يركن إليه، كما أمر بنهي النفس عن الهوى.
قلت: إن الإخلاص منزلة شريفة لا يبلغ مثلي إليها، لأنها منزلة الخاصة، و أنا مخلّط.
قال: ما أحد أحوج إلى الإخلاص من المخلّط! لأن المتقي لو حبط تطوعه كله نجا بتقواه، و المخلّط إنما يكتمل بتطوعه فرضه[١]، فإن حبط تطوعه بقى فرضه ناقصا، فهلك إلا أن يعفو اللّه عز و جل، بعد أن يلقى اللّه عز و جل على توبته من الرياء.
[١] - كما جاء في حديث تميم بن أوس الداري، و أبي هريرة:« يحاسب العبد يوم القيامة، فإن نقص فرضه قيل: انظروا هل له من تطوع ...» الحديث سبق تخريجه ص ٢٠٢.