الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٩
و هكذا ينتقل المحاسبى من فكرة إلى فكرة فى تسلسل واضح، و ترتيب جيد، و تنسيق رائع، حتى إذا انتهى من شرح كل ما يتصل بالرعاية بدأ فى تحليل و شرح الرذائل النفسية، و وصف العلاج لها، بادئا بالرياء، مبينا صفته، و معرفته، و وجوهه، و علاجه، و تلبيسات إبليس فى هذا الميدان، ثم مفصلا لكافة المسائل التى لها تعلق بهذا الموضوع.
ثم انتقل إلى كتاب التنبيه على معرفة النفس سوء أفعالها، و دعائها إلى هواها، ثم إلى شرح ما يؤدى إليه عدم المعرفة بسوء رغبة النفس، فيذكر من رذائل النفس: العجب و الكبر و الغرة و الحسد، محددا معنى كل منها، و بواعثه و مظاهره و علاجه المناسب، مفرقا بين هذه الرذائل المتعددة.
ثم يختم كتابه بكتاب تأديب المريد، و سيرته فى الليل و النهار، و تحذيره من الفتنة بعد هدايته، منهيا كتابه بذكر ما يخاف العبد على نفسه بعد قيامه لله بحسن الرعاية ظاهرا و باطنا.
أثر الكتاب فى علماء السلوك بعد الحارث:
كان لكتاب الرعاية أثر كبير واضح فيمن جاء بعده، بل كان أصلا لمن صنف فى هذا الباب.
و أوضح من تأثر بهذا الكتاب الإمام الغزالى، الذى ضمن كتابه «إحياء علوم الدين» كتاب الرعاية كله تقريبا.
و قد كان الغزالى يحكى كلام المحاسبى على وجهه، من غير تغيير واضح فى غالب الأحيان، و قارن إن شئت أى باب فى الرعاية بنظيره فى الإحياء،