الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٧٥ - باب ما يورث الرياء من الأخلاق المذمومة و شرحها
قلت: ما المباهاة، و كيف هي، و ما تورث، و إلى ما يؤول ضررها؟
قال: المباهاة بالعلم و العمل. فأما بالعلم: فالدوام على الطلب للعلم، و كثرة الحفظ له، و المواظبة عليه، و كثرة عدد من لقى من المحدثين، و المبادرة إلى الجواب حين يسأل هو أو غيره؛ يحبّ بذلك أن يصيب الحقّ ليعلو أو ليعلم أنه فوقه، و يعلم غيره أنه أعلم منه، و يبادر إلى ذكر الحديث ليعلم صاحبه أنه أعلم منه، و إن ذكر صاحبه حديثا أخبر أنه يعرفه؛ مباهاة؛ ليفوقه[١].
و المباهاة بالعمل، إن اجتمع هو و من يذكر اللّه، عزّ و جلّ أو يقاتل في سبيل اللّه عز و جل، أو يصلي، أو يعمل عملا من أعمال البر ... فإن صلى غيره قام فصلى جزعا أن يعلوه، و يكره صلاة المصلي معه ليرى فضله، و إن صلّيا جميعا طوّل الصلاة ليتحشّم صاحبه و يملّ، فيترك الصلاة، فيرفع فوقه، و يكون قد علاه في المنزلة عند من يعلم ذلك، أو عند المصلّي معه، ليستصغر نفسه، و يرفعه على نفسه، و يرى فضله عليه.
و كذلك القتال في الحرب، يبادر قدّام غيره، و يحبّ أن يتخلّف و يتقدّم هو، و يحمل نفسه على الكرّ على العدو بكل ما يقدر عليه؛ ليعلوه، و يرى فضله عليه، و لعله يقتل على ذلك محبطا أجره، و لا آمن مقت اللّه عزّ و جل له، و كذلك في سائر الأعمال.
و أما المباهاة في الدنيا: فالمباهاة بالبناء، فينفق ما لو كان إليه وحده ما أنفقه، و لكن لمن قاربه من الجيران، أو من الأقارب و الأصحاب و الأشكال من
[١] - و قد ورد النهي عن ذلك في حديث جابر بن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال:« لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، و لا لتماروا به السفهاء، و لا تخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» أخرجه ابن ماجة في المقدمة ١/ ٩٣( ٢٥٤)، و صححه ابن حبان ١/ ٢٧٨( ٧٧) و الحاكم ١/ ٨٦.